لطيفة فهد الفلاج
أقسى الخيبات ليست تلك التي تأتي من الغرباء، بل تلك التي تصلنا من أشخاص فتحنا لهم أبواب قلوبنا، ومنحناهم مكانة لم نمنحها لغيرهم.
فالخذلان لا يؤلمنا فقط بسبب ما حدث، بل بسبب الصورة الجميلة التي رسمناها لمن أحببنا، وبسبب الثقة التي وضعناها في مكان ظنناه آمنًا.
نحن لا نحزن لأن الإنسان تغيّر فقط، فالتغير جزء من طبيعة الحياة، لكن ما يؤلم حقًا أن يتغير شخص كان يعرف جيدًا كم وقفنا بجانبه، وكم منحتنا الأيام معه فرصًا لنثبت له أننا كنا سندًا حقيقيًا. فكم من إنسان كان حاضرًا في بدايات غيره، يزرع التشجيع، ويقدم الدعم، ويؤمن بالحلم قبل أن يراه الآخرون حقيقة، ثم يجد نفسه في النهاية وكأن كل ما قدمه لم يكن له أثر.
كانت هناك امرأة تؤمن أن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لمن يحب هو أن يكون عونًا له في الطريق.
لم تكن ترى نجاح من تحب نجاحًا منفصلًا عنها، بل كانت تشعر أن وقوفها بجانبه جزء من بناء حياة مشتركة، وأن اليد التي تساعد في البدايات تستحق أن تُذكر عندما تصل السفينة إلى بر الأمان.
كانت تبذل من وقتها وفكرها وجهدها، تبحث عن كل ما يمكن أن يكون سببًا في تقدمه، تستمع، وتقترح، وتشارك الأفكار التي قد تفتح أبوابًا جديدة.
لم تكن تفعل ذلك انتظارًا لمدح أو مقابل، بل لأن بعض القلوب عندما تحب، تعطي بطبيعتها، وترى في دعم الآخرين معنى للمحبة والوفاء.
كانت موجودة في الأيام التي لا يراها أحد. في لحظات التعب، وفي مراحل التكوين، وفي الأوقات التي يحتاج فيها الإنسان إلى من يؤمن به قبل أن يصفق له الآخرون.
لكن مع مرور السنوات، بدأت تشعر بأن شيئًا ما تغيّر.
لم يكن الألم في تغير الظروف، ولا في اختلاف الأيام، بل في شعورها بأن العطاء الذي قدمته لم يعد يُرى، وأن المواقف التي كانت تظن أنها ستبقى شاهدًا على محبتها أصبحت وكأنها لم تكن.
وهنا كان الخذلان الحقيقي.. أن تكتشف أن الشخص الذي كنت تظنه أكثر الناس معرفة بقيمتك، لم يعد يرى حجم ما قدمته.
فأحيانًا لا يكون أكثر ما يؤلمنا هو ما يفعله الآخرون بنا، بل ما نشعر به عندما ندرك أن مشاعرنا ووقوفنا وتضحياتنا لم تكن في المكان الذي ظنناه. لكن هل يعني الخذلان أن نندم على الخير الذي قدمناه؟
هل يعني أن نتوقف عن العطاء لأن بعض الناس لم يعرفوا قيمة ما منحناهم؟ بالطبع لا.
فالخير لا يفقد قيمته لأن أحدًا لم يقدّره، والعطاء لا يصبح أقل جمالًا لأن الطرف الآخر لم يعرف كيف يحافظ عليه. لكن الخذلان يعلّمنا درسًا مهمًا.. أن نعطي بحب، لكن دون أن ننسى أنفسنا. أن نقف مع الآخرين، لكن دون أن نجعل قيمتنا مرتبطة باعترافهم بنا.
أن نحب، لكن أن نتذكر دائمًا أن القلوب بيد الله، وأن البشر مهما اقتربوا يظلون بشرًا.
فليس كل من ساندناه سيذكر، وليس كل من أعطيناه من أرواحنا سيحفظ ذلك العطاء، لكن الله لا يغيب عنه شيء. يرى التعب الذي لم يره أحد، ويعلم النية التي لم تُحكَى، ويحفظ لكل قلب صادق أثره وإن لم يحفظه البشر.
لا تجعل خذلان أحدهم يطفئ أجمل ما فيك.
لا تجعل شخصًا لم يعرف قيمة قلبك يجعلك تشك في جمال عطائك.
فبعض الأشخاص يكونون درسًا لا عقوبة، يعلموننا أن نضع محبتنا في مكانها الصحيح، وأن نعطي دون أن نستنزف أنفسنا، وأن نحب دون أن نفقد ذواتنا.
قد ينسى البعض من وقف معهم في الطريق، وقد لا يتذكرون الأيدي التي أمسكت بهم في بداياتهم، لكن الله لا ينسى قلبًا أخلص، ولا جهدًا بُذل بمحبة، ولا خيرًا خرج من نفس صادقة.
فالخذلان قد يؤلمنا، لكنه أحيانًا يأتي ليعيد ترتيب قلوبنا، ويذكرنا أن أعظم أمان لا يكون عند البشر، بل عند من لا يخيّب من توكل عليه.