غانم بن عبدالله سعد آل غانم
ليست التربية الكشفية نشاطاً هامشياً يضاف إلى قائمة الأنشطة المدرسية، ولا مجرد تجمع للطلاب والطالبات في زي موحد أو ممارسة لبعض المهارات والرحلات والمعسكرات؛ إنها قبل ذلك كله مجال تربوي متكامل، يملك قدرة استثنائية على الوصول إلى جوانب في شخصية الناشئ قد لا تستطيع البيئة الصفية التقليدية الوصول إليها بالفاعلية نفسها؛ ومن هنا فإن الكشافة تستحق أن تحظى بمزيد من الاهتمام في مدارس التعليم العام للبنين والبنات، باعتبارها أحد الأساليب التربوية التي يمكن أن تسهم في صناعة الإنسان، لا في شغل وقت الفراغ فحسب؛ فالتعليم لا يكتمل بالكتاب والسبورة والاختبار، والتربية لا يمكن أن تنحصر في تلقين المعلومات واستظهارها؛ فالمدرسة الحديثة مطالبة بأن تبني شخصية متوازنة قادرة على التفكير، واتخاذ القرار، والتعامل مع الآخرين، وتحمل المسؤولية، وخدمة المجتمع؛ وهنا تحديداً تظهر القيمة الحقيقية للتربية الكشفية، بوصفها تعليماً غير رسمي يقوم على التجربة والممارسة والمشاركة، ويمنح المتعلم فرصة لأن يتعلم بالفعل، لا أن يسمع عن التعلم فقط؛ ولعل أجمل ما في الكشافة أنها لا تقول للفتى أو الفتاة: كن قائداً، ثم تتركه يبحث عن معنى القيادة في الكتب، وإنما تضعه في مواقف صغيرة يمارس فيها القيادة مبكراً؛ يخطط لنشاط، ويتعاون مع فريق، ويتحمل مسؤولية مهمة، ويواجه مشكلة ويحاول حلها، ويكتشف أن نجاح المجموعة لا يتحقق بالعمل الفردي وإنما بروح الفريق؛ ومع تكرار هذه التجارب تتشكل داخله، بهدوء وتدرج، ملامح الشخصية القيادية التي تحتاجها المدرسة والمجتمع والوطن. والاعتماد على الذات واحد من أهم الدروس التي تقدمها التربية الكشفية؛ فالناشئ الذي يتعلم كيف ينظم وقته، ويعتني بأدواته، ويؤدي مهمته، ويتعامل مع متطلبات النشاط، ويجد الحلول للمواقف التي تواجهه، إنما يتعلم درساً يتجاوز حدود النشاط إلى حياته اليومية؛ بل إنه يتعلم أن المسؤولية ليست كلمة تقال، وإنما سلوك يمارس، وأن الإنسان لا ينتظر دائماً من يقوم عنه بما يستطيع القيام به بنفسه.
كما أن الكشافة تربي على المسؤولية الاجتماعية بطريقة عملية مؤثرة؛ فالخدمة في الكشافة ليست شعاراً يرفع، وإنما ممارسة تتجسد في مساعدة الآخرين، والعناية بالبيئة، والمشاركة في المبادرات المجتمعية، وإرشاد المحتاج، وتنظيم الفعاليات، والمحافظة على الممتلكات العامة، والعمل مع الآخرين من أجل هدف يتجاوز المصلحة الشخصية؛ ومن خلال هذه الممارسات ينمو لدى الفتى أو الفتاة شعور حقيقي بأنه جزء من مجتمعه، وأن عليه واجباً تجاهه، وأن قيمة الإنسان لا تقاس بما يأخذ فقط، وإنما بما يمنح أيضاً.
وتتميز التربية الكشفية كذلك بأنها تضع المتعلم في قلب العملية التعليمية؛ فالبرعم أو الشبل أو الكشافة ليس متلقياً سلبياً، بل مشارك وصاحب تجربة، يتعلم من خلال اللعب والنشاط والخلاء والمغامرة والتحدي والممارسة وقد يخطئ في تجربة ما، لكنه يتعلم من خطئه، وقد يواجه موقفاً لم يكن يتوقعه، فيكتشف قدرة لم يكن يعرف أنها موجودة لديه؛ وهكذا يصبح التعلم رحلة لا تنتهي بانتهاء الحصة الدراسية، بل تستمر في الميدان وفي الحياة؛ وهذا هو جوهر التعلم بالممارسة الذي تتميز به الكشافة؛ فالمعرفة حين تتحول إلى تجربة تصبح أكثر رسوخاً، والمهارة حين تمارس تصبح أكثر قدرة على البقاء، والقيمة حين يعيشها الناشئ تتحول إلى سلوك؛ لذلك فإن التربية الكشفية لا تستهدف العقل وحده، وإنما تتعامل مع الإنسان في تكامله: جسداً وعقلاً ومشاعر وقيم وعلاقات اجتماعية، بما يساعده على بناء شخصية متوازنة قادرة على التعامل مع الحياة بثقة ومسؤولية.
ومن المهم هنا ألا ينظر إلى الكشافة باعتبارها تجربة مناسبة لفئة محدودة من الطلاب أو الطالبات، بل باعتبارها فرصة تربوية يمكن أن يستفيد منها الجميع، كل وفق مرحلته العمرية وقدراته واهتماماته؛ فالمنهج الكشفي يقوم في جوهره على مراعاة الفروق الفردية، ويتيح لكل عضو أن يكتشف ذاته ويتقدم في مساره الخاص، وأن يجد مساحة للتعبير والمشاركة والإنجاز؛ ولأن مدارس التعليم العام هي البيئة التي يقضي فيها أبناؤنا وبناتنا سنوات مهمة من تشكيل شخصياتهم، فإن تعزيز حضور التربية الكشفية فيها يمكن أن يمثل استثماراً تربوياً بعيد المدى؛ فالكشافة لا تنافس التعليم النظامي، ولا تحاول أن تحل محله، وإنما تكمله وتمنحه بعداً عملياً وإنسانياً؛ فهي تنقل كثيراً من القيم التي نتحدث عنها في المناهج والخطط التربوية من مستوى المفاهيم إلى مستوى الممارسة.
إننا بحاجة إلى أن ننظر إلى النشاط الكشفي داخل المدرسة باعتباره مختبراً لتكوين الشخصية؛ فيه يتعلم الطالب كيف يكون عضواً في فريق، وكيف يقود ويُقاد، وكيف يحترم الوقت والنظام، وكيف يتعامل مع الاختلاف، وكيف ينجز ما يوكل إليه، وكيف يمد يده للآخرين، وكيف يشعر بالمسؤولية تجاه بيئته ومجتمعه؛ وهذه كلها ليست مهارات إضافية، بل مقومات أساسية للإنسان الذي نريد أن نبنيه لمستقبل وطنه؛ والتجربة الكشفية العالمية، الممتدة لأكثر من قرن، تؤكد أن الحركة الكشفية ليست مجرد نشاط عابر، وإنما حركة تربوية عالمية تعمل على تمكين الشباب من اكتشاف إمكاناتهم وتحقيق ذواتهم، وإعدادهم ليكونوا مواطنين فاعلين وقادة في مجتمعاتهم؛ وهي تنطلق من قيم المساواة والاندماج والاحترام المتبادل والاستدامة والتفاؤل بالمستقبل، وتترجم هذه القيم إلى تجارب عملية يعيشها الشباب بأنفسهم. وحين نتحدث اليوم عن مهارات المستقبل، وعن بناء الشخصية، وعن القيادة، والعمل الجماعي، والمسؤولية المجتمعية، والمبادرة، والاعتماد على الذات، فإننا في الحقيقة نتحدث عن كثير من المفاهيم التي مارستها الكشافة منذ نشأتها، ولكن بأسلوب تربوي يجعل الناشئ شريكاً في التعلم لا مجرد متلقٍ له؛ لذلك، فإن السؤال لم يعد: ماذا يمكن أن تقدم الكشافة للمدرسة؟ بل ربما أصبح السؤال الأهم: ماذا يمكن أن تخسر المدرسة إذا لم تمنح التربية الكشفية ما تستحقه من اهتمام؟
إن المدرسة التي تفتح أبوابها للكشافة لا تفتحها لنشاط إضافي فحسب، وإنما تفتح مساحة أوسع لتكوين الإنسان؛ وحين يجد الطالب والفتاة في المدرسة فرصة لأن يتعلموا كيف يخدمون، وكيف يتحملون المسؤولية، وكيف يقودون، وكيف يعتمدون على أنفسهم، وكيف يحترمون الآخرين، وكيف يحولون المعرفة إلى عمل؛ فإننا نكون قد اقتربنا من المعنى الحقيقي للتربية.
فالكشافة في جوهرها ليست درساً آخر يتلقاه الناشئ، وإنما حياة صغيرة يتعلم فيها كيف يعيش الحياة الكبيرة.