د.عبدالله الفايز
سبق أن كتبت عن الذكاء الاصطناعي، وكنت أرى أن التطور الحقيقي للذكاء الرقمي لا ينبغي أن يتوقف عند قدرة الآلة على تحليل البيانات أو التعرف على الأنماط أو التنبؤ بالنتائج أو حتى اقتراح الحلول أمام الإنسان. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، يظل في جوهره أداة أو مجموعة من الأدوات الذكية التي تساعد الإنسان والمؤسسة على فهم الواقع واتخاذ القرار. ولذلك طرحت في أعمالي السابقة رؤية تقوم على أن المرحلة الأكثر أهمية ليست فقط تطوير الذكاء الاصطناعي ليصبح أكثر قدرة، وإنما تطويره ليصبح جزءًا من منظومة ذكاء أكبر تستطيع أن تنتقل من التحليل والتنبؤ واقتراح الحلول إلى التفاعل والتنفيذ والمتابعة والتعلم والتكيف بصورة مستمرة. ومن هذا المنطلق جاء طرحي لمفهوم الذكاء التنظيمي أو المنظومي Systemic Intelligence (SI) بوصفه مستوى مختلفًا من التفكير في مستقبل الذكاء الرقمي. فالهدف لم يكن إنشاء آلة أكثر ذكاءً من آلة أخرى فحسب، وإنما الانتقال من مفهوم «الآلة الذكية» إلى مفهوم «النظام الذكي». وهذا فرق جوهري؛ لأن النظام الذكي لا يعتمد على الذكاء الاصطناعي وحده، بل يجمع بين الذكاء البشري والذكاء المؤسسي والذكاء الاصطناعي والبيانات وأجهزة الاستشعار وإنترنت الأشياء والتوائم الرقمية والروبوتات والبنية الرقمية والاتصالات والأنظمة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية وآليات الحوكمة.
ومن هنا، فإن الإعلان والتطورات الأخيرة المتعلقة بما يسمى الذكاء الاصطناعي العام Artificial General Intelligence (AGI) أراها من منظور نظري جزءًا من المسار الذي سبق أن طرحته في كتابي « الحياة في مدن المستقبل الذكية» (الفايز 2025)، وليست نهاية الطريق الرقمي. فالذكاء الاصطناعي العام يمثل، في أبسط تعريفاته، محاولة للانتقال من أنظمة متخصصة في مهام محددة إلى ذكاء أكثر عمومية يستطيع التعامل مع مجالات ومشكلات متعددة، ونقل المعرفة بين المجالات، والتعلم والتكيف والاستدلال بصورة أوسع. وهذه خطوة مهمة بلا شك، ولكنها لا تعني بالضرورة أننا وصلنا إلى الصورة النهائية للذكاء الذي تحتاجه المدن والمؤسسات والدول والمجتمعات.
لقد كان جوهر طرحي أن الذكاء الاصطناعي الحالي ما زال في مرحلة مبكرة من مساره، وأن له قدرات كبيرة، ولكن له أيضًا هفواته وحدوده ومخاطره. ولذلك فإن السؤال الأهم بالنسبة لي لم يكن: كيف نجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً؟ وإنما: كيف نجعل الذكاء يعمل داخل نظام متكامل يستطيع أن يفهم الواقع ويتخذ الإجراء المناسب وينفذه ويراقب نتائجه ويتعلم منها ويتكيف معها؟ وهنا تظهر أهمية مفهوم Systemic Intelligence (SI) الذي طرحته باعتباره تطورًا مفاهيميًا يتجاوز مجرد زيادة القدرات الحسابية أو المعرفية لآلة واحدة. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد في الإجابة عن سؤال: ماذا يحدث؟ ويمكنه بدرجات متزايدة أن يساعد في الإجابة عن سؤال: ماذا يمكن أن يحدث؟ أما الذكاء الاصطناعي العام، إذا تحقق بالصورة التي يتوقعها الباحثون، فقد يضيف قدرة أوسع على الفهم والاستدلال والتعلم وحل المشكلات عبر مجالات مختلفة.
لكن الذكاء التنظيمي يطرح سؤالًا أوسع: ماذا يجب أن نفعل، وكيف ننفذ ما يجب فعله، وكيف نتابع النتائج، وكيف يتكيف النظام مع التغير المستمر؟ وهذا هو الفارق الأساسي بين AGI و SI. فالذكاء الاصطناعي العام يركز على تعميم الذكاء داخل كيان أو نظام حاسوبي ذكي، بينما يركز الذكاء التنظيمي على دمج أنواع متعددة من الذكاء داخل منظومة مترابطة قادرة على العمل بصورة مستمرة. ولذلك فإن الذكاء الاصطناعي العام يمكن أن يكون أحد مكونات الذكاء التنظيمي، ولكنه لا يمثل الذكاء التنظيمي نفسه.
وبعبارة أكثر وضوحًا، يمكن تصور التطور على ثلاثة مستويات مترابطة: الذكاء الاصطناعي هو ذكاء آلي متزايد القدرة، والذكاء الاصطناعي العام هو ذكاء آلي عام ومتعدد المجالات، والذكاء التنظيمي هو دمج هذه القدرات مع أشكال أخرى من الذكاء داخل نظام متكامل قادر على التشغيل الذاتي مع بقائه خاضعًا للحوكمة البشرية والمؤسسية. وهذا ما يفسر لماذا لا أرى أن ظهور AGI يعني أن SI أصبح غير ضروري، بل على العكس، يمكن أن يصبح AGI أحد المكونات المعرفية المهمة داخل SI.. المشكلة في بعض الطروحات الحالية هي أنها تنظر إلى الذكاء باعتباره سباقًا في زيادة قدرات الآلة، وكأن الوصول إلى ذكاء اصطناعي عام يعني تلقائيًا الوصول إلى أعلى مستوى ممكن من الذكاء. ولكن المدن والدول والمجتمعات لا تعمل كآلة واحدة. فهي أنظمة معقدة تضم ملايين البشر والمؤسسات والبنى التحتية والأسواق والبيئة والقوانين والموارد والمعلومات والمخاطر. ولذلك فإن زيادة ذكاء آلة واحدة لا تكفي لجعل المدينة أو الدولة ذكية بصورة حقيقية.
ومن هنا تأتي الفكرة الأساسية في نظريتي: الذكاء الحقيقي في المستقبل لن يكون فقط في الآلة، وإنما في العلاقة بين الآلات والبشر والمؤسسات والبيانات والبنية التحتية والبيئة والحوكمة. ففي المدينة الذكية التقليدية يمكن للنظام أن يراقب حركة المرور ويكتشف الازدحام ويقترح تحويل مسار المركبات. وفي مستوى أكثر تقدمًا يمكن للنظام أن يتنبأ بالازدحام قبل حدوثه. أما في منظومة الذكاء التنظيمي فإن النظام لا يتوقف عند التنبؤ أو الاقتراح، بل يستطيع، ضمن الصلاحيات المحددة مسبقًا، أن يفعل الإجراء المناسب، وأن يراقب نتائجه، وأن يغير استراتيجيته إذا لم تحقق النتائج المطلوبة. والأمر نفسه يمكن أن ينطبق على الطاقة والمياه والنقل والصحة والطوارئ والبنية التحتية والبيئة والخدمات العامة. فالنظام يستطيع أن يستشعر التغير، ويفهم المشكلة، ويقيم البدائل، ويحدد الاستجابة المناسبة، ويفعل الأنظمة المرتبطة به، ثم يراقب النتائج ويتعلم منها ويعدل سلوكه التشغيلي. لكن هنا يجب التأكيد على نقطة أراها جوهرية في نظري: الاستقلالية التشغيلية لا تعني الاستقلالية في السلطة. فالذكاء التنظيمي الذي أطرحه ليس نظامًا يستبدل الإنسان أو يلغي دور المؤسسات. وإنما هو نظام قادر على العمل دون تدخل بشري مستمر، بينما تبقى الأهداف والقيم والقوانين والحدود ومستويات المخاطر المقبولة والصلاحيات النهائية بيد الإنسان والمؤسسات الشرعية. فالإنسان يحدد ما الذي ينبغي تحقيقه، وما الذي يجب ألا يحدث، وما مستوى المخاطر المقبول، ومتى يجب أن يتدخل الإنسان، بينما يستطيع النظام أن يحدد بصورة ذاتية كيفية تحقيق الأهداف المصرح بها في ظل الظروف المتغيرة.
ولهذا فإن المبدأ الذي يلخص هذه الفكرة هو: العمل الذاتي لا يعني السلطة الذاتية. وهذا المبدأ، في رأيي، ضروري حتى لا يتحول النقاش حول الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي العام إلى نقاش عن استبدال الإنسان بالآلة.
أنا لا أقترح ذكاءً يستبدل الإنسان، وإنما أقترح نظامًا ذكيًا يستطيع أن يعمل دون الحاجة إلى تدخل بشري مستمر، مع بقاء الغاية والقيم والحدود والسلطة النهائية في الإطار البشري والمؤسسي. ويمكن هنا فهم ما أسميته في الإطار النظري بـ «الطبقة اللاواعية الوظيفية» Functional Subconscious Layer. ولا أقصد بذلك أن النظام يمتلك وعيًا بشريًا أو عقلًا لاواعيًا بالمعنى البيولوجي. وإنما هو تشبيه معماري لوصف طبقة تعمل باستمرار في الخلفية، تراقب الظروف، وتعالج المعلومات، وتكتشف الأنماط، وتقيم المخاطر والفرص، وتستعد للاستجابة أو تفعل الاستجابة المسموح بها دون انتظار أمر بشري منفصل لكل عملية. وبذلك يصبح الذكاء مستمرًا وليس متقطعًا؛ فلا ينتظر النظام أن يسأله الإنسان حتى يبدأ في الملاحظة والتحليل والتقييم والاستجابة.
وهنا أرى أن التطور الحقيقي يمكن اختصاره في انتقالات متتابعة: من الأدوات الذكية إلى الكيانات الذكية ثم إلى الأنظمة الذكية، ومن العمليات التي يتحكم فيها الإنسان بصورة مباشرة إلى عمليات ذاتية التشغيل تحت حوكمة بشرية. وهذا هو المكان الذي يرتبط فيه مفهوم الذكاء التنظيمي بنظريتي الأوسع Smart Digital Urbanism Transformation Theory (SDUT). فـ SDUT لا تقدم الذكاء التنظيمي باعتباره تقنية منفصلة، وإنما تضعه باعتباره المحرك التشغيلي للتحول الرقمي والذكي للمدن والمجتمعات. ويأتي Systemic Intelligence (SI) بوصفه محرك الذكاء داخل هذا الإطار، بينما تمتد الفكرة على المستوى الوطني من خلال Smart Digital Nation Theory (SDNT)، ويأتي Smart Digital Humanism (SDH) ليضع الإنسان والقيم والكرامة والعدالة وجودة الحياة في مركز التحول، في حين تتعامل TIDANT مع التحول المؤسسي والتسريع الرقمي المطلوب لكي تستطيع المؤسسات استيعاب هذا المستوى الجديد من الذكاء وتشغيله. وبالتالي فإن العلاقة بين هذه المفاهيم ليست علاقة مجموعة من النظريات المستقلة، وإنما هي بنية مترابطة. SDUT تقدم نموذج التحول، وSI تقدم محرك الذكاء المنظومي، وSDNT توفر البيئة الوطنية والمؤسسية والرقمية، وSDH توفر الاتجاه الإنساني والأخلاقي، وTIDANT توفر التحول المؤسسي والتسريع اللازمين لتشغيل المنظومة. ومن هذه الزاوية يمكن فهم ما يحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي العام بصورة مختلفة. فإذا كان AGI يمثل انتقالًا نحو ذكاء أكثر عمومية داخل الكيان الذكي، فإن SI يمثل انتقالًا أكبر: انتقال الذكاء من داخل الكيان إلى النظام بأكمله. وهذا يعني أن AGI ليس بالضرورة المرحلة التي تأتي بعدها نهاية التطور، وإنما يمكن أن يصبح جزءًا من البنية المعرفية التي تعتمد عليها الأنظمة التنظيمية الذكية.
لذلك فإنني أرى أن النقاش حول AGI يجب ألا يقتصر على السؤال: متى نصل إلى الذكاء الاصطناعي العام؟ بل يجب أن يمتد إلى سؤال أكثر أهمية: ماذا سنفعل بهذا الذكاء عندما نصل إليه؟ وكيف ندمجه في المؤسسات والمدن والدول بحيث يتحول من قدرة معرفية إلى قدرة تشغيلية وتنظيمية مستمرة؟ وهذا تحديدًا هو المجال الذي أضع فيه مفهوم Systemic Intelligence. فالغاية ليست صناعة آلة أكثر ذكاءً من الإنسان، وإنما بناء بيئة ذكية تستطيع فيها أشكال متعددة من الذكاء أن تعمل معًا بصورة متواصلة، وأن تتعلم وتتكيّف وتتصرف، مع بقاء الإنسان والمؤسسات مسؤولين عن تحديد الأهداف والقيم والحدود والسلطة النهائية. ومن ثم فإن التطور الذي أراه أمامنا ليس مجرد انتقال من AI إلى AGI، وإنما انتقال أعمق من الذكاء الاصطناعي إلى الذكاء العام، ومن الذكاء العام إلى الذكاء المنظومي المتكامل. وإذا كان AGI يمثل تعميم الذكاء داخل الكيان الذكي، فإن SI يمثل تعميم الذكاء عبر النظام كله. وهنا تكمن، في تقديري، أهمية السبق المفاهيمي الذي حاولت تقديمه في أعمالي وكتبي السابقة. فقد طرحت أن الذكاء الاصطناعي الحالي ليس نهاية الطريق، وأنه ينبغي أن يتطور من مجرد أداة للتحليل والتنبؤ ودعم القرار إلى منظومة قادرة على التفاعل والتنفيذ والتعلم والتكيف. وكان مفهوم Systemic Intelligence الذي طورته في إطار نظريتي محاولة لوضع هذا التطور داخل إطار أوسع من مجرد تطوير نموذج لغوي أو آلة أكثر قدرة. وعليه فإن ظهور الذكاء الاصطناعي العام اليوم لا أتعامل معه باعتباره نقيضًا لما طرحته، ولا باعتباره نهاية المسار، بل باعتباره جزءًا من المسار النظري الأوسع الذي اقترحته. فالـ AGI، من منظور هذه النظرية، يمكن أن يمثل إحدى اللبنات المعرفية التي يحتاج إليها SI، لكنه لا يساوي SI، لأن الذكاء التنظيمي لا يقاس فقط بمدى ذكاء الآلة، وإنما بقدرة النظام المتكامل على الإحساس والفهم واتخاذ القرار والتفعيل والإدارة والتعلم والتكيف، مع بقائه تحت حوكمة بشرية ومؤسسية.
وفي النهاية، فإن التحول الذي أراه أمامنا ليس تحولًا من الإنسان إلى الآلة، وإنما تحول من آلة ذكية إلى نظام ذكي، ومن الذكاء كقدرة فردية إلى الذكاء كقدرة منظومية، ومن دعم القرار إلى تفعيل القرار، ومن التشغيل الذي يحتاج إلى تدخل بشري مستمر إلى التشغيل الذاتي المنضبط بالحوكمة البشرية. وهذه هي الفكرة الأساسية التي أرى أنها يجب أن تكون حاضرة في النقاش العالمي حول مستقبل الذكاء: ليس السؤال فقط كيف نجعل الآلة أكثر ذكاءً، وإنما كيف نجعل النظام بأكمله أكثر ذكاءً، وأكثر قدرة على التعلم والتكيف والعمل، دون أن نفقد الإنسان أو القيم أو المسؤولية المؤسسية. فالذكاء الاصطناعي قد يكون بداية الطريق، والذكاء الاصطناعي العام قد يكون توسعًا في قدرات الآلة، أما الذكاء التنظيمي فهو محاولة للانتقال إلى مستوى تصبح فيه المنظومة بأكملها ذكية.