ناصر بن فريوان الشراري
من صواريخ العبث إلى تهديد الملاحة: حين تُدار المعارك بحكمة الدول لا بهستيريا الجماعات
لا يحتاج تاريخ الشرق الأوسط إلى مزيد من البراهين كي يؤكد حقيقةً رسختها الأزمات والحروب: الدول تبني وتحمي وتُحسن تقدير العواقب، أما المليشيات فكيانات طارئة تعيش على الفوضى، وتتغذى من الانقسام، ولا ترى في الأوطان إلا ساحاتٍ مفتوحة لمشروعات مموليها، الدولة تتحرك بمنطق السيادة والمسؤولية، وتزن قراراتها بميزان المصالح العليا؛ بينما تتحرك المليشيا بانفعال السلاح، وتظن أن الضجيج نصر، وأن الصاروخ العابر للحدود يمكن أن يستر عجزها في الداخل.من هنا ينبغي قراءة الاعتداءات الحوثية التي استهدفت مدنًا ومواقع مدنية واقتصادية في جازان ونجران وأبها وخميس مشيط، لم تكن تلك الهجمات دليل قوة، بل شهادة إفلاس عسكري وسياسي، فحين تعجز المليشيا عن صناعة شرعية، تلجأ إلى صناعة الخوف، وحين تضيق عليها ساحات المواجهة، تبحث عن مدنيين آمنين ومنشآت حيوية لتجعل منهم أهدافًا لصواريخها ومسيّراتها، وهذه ليست شجاعةً عسكرية، بل هروبٌ من الميدان إلى جريمة الاستهداف العشوائي، ومحاولة يائسة للتعويض عن انكشاف مشروع لم يمنح اليمنيين دولةً ولا أمنًا ولا حياةً كريمة.
إن المليشيا التي تستهدف المدن لا تحاصر خصومها بقدر ما تحاصر نفسها أخلاقيًا وسياسيًا، وكل صاروخ يُطلق نحو حي مدني، وكل مسيّرة تُوجَّه إلى منشأة اقتصادية، يسقطان ورقةً جديدة من أوراق الدعاية التي تحاول الجماعة الاختباء خلفها، فمن يستقوي بالسلاح على المدنيين لا يحمل مشروع دولة، ومن يرهن قراره للخارج لا يملك قرار حرب ولا أهلية سلام.
انقلاب بدأ بوهم «الصدمة الأولى»
بدأت المأساة عندما توهمت الجماعة الحوثية أن الانقلاب على مؤسسات الدولة، وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح، والسيطرة على العاصمة، كفيلة بتحويل اليمن إلى غنيمة سياسية وعسكرية دائمة، ظنت أن «صدمة الهجوم الأول» ستُسقط الشرعية، وأن اليمنيين والمنطقة سيتعاملون مع انقلابها بوصفه واقعًا لا يُرد، لكنها تجاهلت حقيقةً لا تقبل المساومة: اليمن ليس مزرعةً لمليشيا، وأمن المملكة والخليج ليس ساحة اختبار لمغامرات الوكلاء.
لقد أخطأ الحوثي حين قرأ الصبر ضعفًا، وضبط النفس ترددًا، والانفتاح على الحل السياسي عجزًا، ولم يفهم أن الدولة قد تؤخر الرد لأنها تدرك كلفته، لكنها لا تتنازل عن حقها في حماية شعبها وحدودها وسيادتها، أما المليشيا، التي لا تدفع من رصيد دولة ولا تحاسبها مؤسسات ولا تكترث لمصير شعب، فتندفع إلى المغامرة بسهولة، ثم تترك اليمنيين وحدهم يدفعون ثمن قرارات لم يشاركوا في صنعها.
كان التدخل السعودي ضمن التحالف العربي قرارًا سياديًا ارتبط بدعم الحكومة اليمنية المعترف بها، ومنع تحويل اليمن إلى منصة تهديد دائمة لجيرانه، ولم يكن استعراضًا للقوة أو بحثًا عن حرب مفتوحة، بل تحركًا فرضه انقلاب مسلح أخذ اليمن ومؤسساته رهينة، وبدأ في تصدير خطره إلى خارج الحدود، ومنذ ذلك الحين، كشفت الأحداث الفارق الجوهري بين من يدافع عن استقرار دولة ومن يقاتل لإدامة سلطة جماعة.
شعارات مرتفعة.. ووظيفة مكشوفة
تبلغ المفارقة الحوثية ذروتها حين ترفع الجماعة شعارات صاخبة عن السيادة ومواجهة الهيمنة، بينما تمارس على الأرض النقيض الكامل لما تردده، فأي سيادة يتحدث عنها من صادر مؤسسات بلاده؟ وأي استقلال يدعيه من ربط قراره العسكري والسياسي بأجندة إقليمية؟ وأي بطولة تلك التي تبدأ بقمع اليمنيين وتنتهي بإطلاق المقذوفات على مدن الجوار وتهديد أرزاق الشعوب؟
إن الشعارات التي لا تحمي اليمن، ولا تصون دماء أبنائه، ولا تعيد لمؤسساته اعتبارها، ليست مشروع تحرير إنها ستار دعائي كثيف يخفي خلفه وظيفة الوكيل، وقد برهنت هجمات الحوثيين على السفن التجارية وتهديدهم للملاحة في البحر الأحمر أن خطر الجماعة لا يقف عند حدود اليمن أو المملكة، بل يمتد إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وقد أدانت الأمم المتحدة هذا التصعيد وحذرت من مخاطره على أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي.
والأشد فضيحةً أن المليشيا تُحسن اختيار مستوى التصعيد الذي يخدم بقاءها ومشغّلها، لا مصالح اليمن، ترفع سقف الخطاب، لكنها تترك الشعب تحت سقف الفقر والخوف، تتحدث عن قضايا الأمة، ثم تحوّل اليمن إلى ورقة تفاوض إقليمية، وتدّعي الدفاع عن السيادة، بينما تجعل أرضها مخزنًا للسلاح ومنصةً للابتزاز، إنها لا تقاتل من أجل اليمن، بل تقاتل باليمن ومن اليمن وعلى حساب اليمن.
السعودية: قوةٌ تعرف متى ترد ومتى تفتح باب السلام
في الجهة المقابلة، قدمت المملكة العربية السعودية نموذج الدولة التي تجمع بين القدرة على الرد والحكمة في إدارة الرد، مارست صبرًا إستراتيجيًا، وضبطت إيقاع المواجهة، وأبقت أبواب السياسة مفتوحةً لحقن الدم اليمني ومنح الحل السلمي فرصته، وقد طرحت المملكة مبادرةً شاملة لإنهاء الأزمة، تضمنت وقفًا لإطلاق النار، وتخفيف القيود، واستئناف المشاورات وصولًا إلى حل سياسي، مع تأكيد استمرار دعم الشعب اليمني وحكومته الشرعية.
هذا السلوك ليس تناقضًا بين الحزم والسلام، بل هو تعريف الدولة المسؤولة: تردع حين يصبح الردع ضرورة، وتفاوض حين يكون التفاوض ممكنًا، ولا تسمح بأن يتحول حرصها على السلام إلى تصريح مفتوح للاعتداء عليها، أما استهداف العمق السعودي بالصواريخ والمسيّرات، فليس سوى مقامرة غير محسوبة من جماعة أساءت فهم الصبر السعودي، وتوهمت أن تجنب الانزلاق إلى حرب بلا سقف يعني غياب الإرادة.لكن المملكة، بثقلها السياسي والعسكري والاقتصادي، لا تحتاج إلى ضجيج المليشيات كي تثبت قوتها، قوتها تظهر في حماية شعبها، وفي تماسك مؤسساتها، وفي قدرتها على إدارة الأزمات من دون أن تفقد بوصلتها، كما تظهر في دعمها لمسار يعيد اليمن إلى أهله ومؤسساته، لا إلى جماعة تحتكر السلاح وتختطف القرار الوطني.وعلى الحوثي أن يفهم الرسالة بلا مواربة: أمن المملكة ليس مادةً للدعاية، ومدنها ليست أهدافًا مباحة، وسيادتها ليست موضع اختبار، من يطرق أبوابها بالصواريخ لن يحصد شرعية، ومن يهدد شعبها لن يفرض شروطه، ومن يحاول ابتزاز دولة بحجم السعودية سيكتشف أن المغامرة أسهل من احتمال عواقبها.
مشروعات الوكلاء تحمل بذور سقوطها
تؤكد تجارب المنطقة أن المشروع القائم على السلاح المنفلت، والاستقطاب الطائفي، والولاء العابر للحدود قد يتمدد زمنًا، لكنه لا يستطيع أن يتحول إلى وطن، فالمليشيا قد تستولي على مؤسسة، لكنها لا تبني دولة، وقد تُرهب مجتمعًا، لكنها لا تكسب ولاءه، وقد تفرض الصمت بقوة السلاح، لكنها لا تنتزع الاعتراف بشرعيتها.
لقد استنزفت مشروعات النفوذ الإيراني عددًا من المجتمعات العربية، ودفعتها إلى أزمات سياسية واقتصادية وأمنية عميقة، ومع انكشاف كلفة هذا النفوذ وتراجع قدرته في ساحات عربية مهمة، تتأكد قاعدة سياسية لا تتغير: كل مشروع يتضخم على حساب الدولة يبدأ في الانكماش عندما تستعيد الدولة قرارها، وكل نفوذ يُبنى على المليشيات يبقى هشًا مهما بدا صاخبًا.
وفي اليمن، لا يمكن أن تكون نهاية الصراع مكافأةً للانقلاب، ولا تسليمًا دائمًا باحتكار جماعة مسلحة لمصير شعب كامل، الطريق الطبيعي هو استعادة مؤسسات الدولة، وتثبيت مرجعية الشرعية، وبناء تسوية تحمي اليمنيين ولا تشرعن السلاح خارج الدولة، وحين يستعيد اليمن عافيته وقراره الوطني، سيعود إلى محيطه العربي شريكًا في الأمن والتنمية، لا منصة تهديد ولا ورقةً في يد الآخرين.
ويمتد الأمل ذاته إلى العراق، البلد العربي الكبير الذي لا يليق به أن يبقى محاصرًا بين نفوذ المليشيات وتضارب الولاءات، استعادة العراق لدوره الريادي تبدأ من احتكار الدولة للسلاح والقرار، وتحرير مؤسساتها من سطوة القوى الموازية، وعودته سندًا لأمته وحصنًا لعروبته، فلا استقرار مع تعدد الجيوش، ولا سيادة مع تعدد مراكز القرار، ولا نهضة حين يصبح الوطن تابعًا لمعادلات تُرسم خارج حدوده.
الدولة تبقى.. والمليشيا إلى زوال
لا تُحسم الحروب بصاروخ طائش يسقط على منزل، ولا بمسيّرة تستهدف منشأةً مدنية، ولا بخطاب تعبوي يحاول تحويل الهزيمة إلى بطولة، الحروب تُحسم بعدالة القضية، ورجاحة القرار، وصلابة المؤسسات، وقدرة الدولة على الجمع بين القوة والمسؤولية.
أما الحوثي، فقد آن له أن يدرك أن زمن خداع اليمنيين بالشعارات لا يدوم، وأن السلاح الإيراني لا يصنع هويةً وطنية، وأن قصف المدن لا يفتح أبواب النصر، بل يفتح سجلًا جديدًا من العزلة والإدانة، الجماعة التي أرادت أن تجعل اليمن منصةً لمشروع خارجي لم تمنحه سوى الانقسام والجوع والخوف، ثم طالبت ضحاياها بالتصفيق لها باسم «المقاومة».
الرهان الرابح سيبقى على الدولة والشرعية، لا على المليشيا والانقلاب، وعلى الحكمة المسنودة بالقوة، لا على التهور المتخفي خلف الشعارات، وستبقى المملكة، بثباتها وحكمة قيادتها، قادرةً على حماية أمنها ودعم أشقائها، بينما تتساقط مشروعات الوكلاء عندما تجف موارد الفوضى التي تعيش عليها.
وفي النهاية، قد تملأ المليشيا السماء بضجيج الصواريخ، لكنها لا تستطيع أن تحجب حقيقة النهار: الدولة أبقى من الجماعة، والشرعية أقوى من الانقلاب، واليمن أكبر من الحوثي، والعرب أقدر على استعادة أوطانهم من قبضة كل مشروع دخيل.