أنس تشكالا
قد تمرّ بنا أيام كثيرة ونحن نمضي في حياتنا كما لو أننا نعرف إلى أين نتجه، نستيقظ، نذهب إلى أعمالنا، نلتقي الناس، ننجز ما علينا، نعود إلى بيوتنا، ونكرر اليوم نفسه بصورة مختلفة قليلًا. يبدو كل شيء طبيعيًا من الخارج، لكن في مكان هادئ داخلنا قد يكون هناك شيء آخر يحدث. شعور لا نستطيع أن نشرحه. حنين لا نعرف إلى ماذا. وضيق لا يبدو أن له سببًا واضحًا. ورغبة غامضة في أن نتوقف قليلًا. ربما يكون ذلك هو القلب حين يبدأ في الكلام.
ليس كل ما يؤلمنا مرضًا، وليس كل ما يثقلنا تعبًا عابرًا. هناك أشياء في داخل الإنسان لا تأتي لتؤذيه، بل لتوقظه. وربما كان بعض القلق الذي نشعر به رسالةً أكثر منه مشكلة، وبعض الحنين دعوةً أكثر منه فراغًا، وبعض الرغبة في الابتعاد عن الضجيج بحثًا عن شيء أعمق من الراحة. لكننا كثيرًا ما نُسكت هذا الصوت. نقول: ليس الآن، لدينا ما يشغلنا، سنتغير عندما تتحسن الظروف، سنقترب عندما نرتب حياتنا، سنأخذ وقتًا لأنفسنا حين ننتهي من كل شيء، ثم نمضي، والحياة لا تنتظر حتى ننتهي.
كم مرة شعر الإنسان أنه يحتاج إلى أن يعود إلى الله، ثم أجّل تلك العودة إلى الغد؟ وكم مرة أراد أن يفتح المصحف، أو يطيل سجوده، أو يرفع يديه بالدعاء، ثم قال في نفسه: سأفعل ذلك عندما أكون أكثر صفاءً؟ كأننا نظن أن علينا أن نصبح أفضل أولًا حتى نستحق أن نعود. مع أن الحقيقة قد تكون عكس ذلك تمامًا. نحن لا نعود إلى الله لأننا أصبحنا كاملين؛ بل نعود إليه لأننا أدركنا حاجتنا إليه. قد يبتعد الإنسان طويلًا، لكنه لا يفقد بالضرورة الطريق. وقد تضعفه الأيام، وتثقله الأخطاء، وتشغله الدنيا، لكنه قد يحتفظ في أعماقه بشيء صغير لا يموت: رغبة في العودة.
وربما لهذا لا ينبغي أن نخاف من ذلك الشعور الذي يأتي فجأة في منتصف الحياة، حين نشعر أننا نحتاج إلى شيء لا تستطيع الأشياء أن تمنحنا إياه. قد نملك ما كنا نحلم به، ومع ذلك نشعر أن شيئًا ناقصًا. قد نضحك مع الآخرين، بينما في داخلنا سؤال لا يجد جوابًا. قد تكون حياتنا ممتلئة بالمواعيد والإنجازات، لكن أرواحنا تشعر بأنها لم تجلس معنا منذ زمن. وهنا يأتي القلب ليقول لنا شيئًا لا نستطيع سماعه وسط الضجيج. يقول: ارجع.
ليس بالضرورة أن يطلب منك أن تغيّر حياتك كلها في ليلة واحدة. ربما يريد منك خطوة صغيرة فقط، ركعتين في هدوء، دعاءً صادقًا، صفحة تقرؤها بتدبر، دمعة لا يراها أحد، استغفارًا خرج من قلب متعب، أو لحظة تقول فيها لله ما عجزت عن قوله لكل الناس، فالعودة لا تبدأ دائمًا بخطوة كبيرة. أحيانًا تبدأ بشعور صغير، ثم تتحول إلى قرار، ثم تصبح طريقًا. ولعل أجمل ما في الإنسان أنه يستطيع أن يبدأ من جديد، حتى بعد أن ظن أنه ابتعد كثيرًا.
نحن نخطئ، ثم نخجل من أخطائنا، ثم نخجل من خجلنا، حتى يصبح الخطأ جدارًا بيننا وبين العودة. ننسى أن الرحمة أوسع من أخطائنا، وأن اليأس ليس دليلًا على كثرة الذنوب بقدر ما قد يكون دليلًا على أننا نسينا سعة الرحمة. ليس المطلوب أن نأتي إلى الله بسجل خالٍ من الأخطاء. نأتي إليه بقلوب تعرف أنها محتاجة.
وهناك فرق كبير بين إنسان يظن أنه لا يحتاج إلى أحد، وإنسان يعرف أنه مهما بلغ من القوة والنجاح والاستقلال، فإنه يظل محتاجًا إلى ربه. ربما لهذا كانت أجمل لحظات الإنسان الروحية أحيانًا هي تلك التي يشعر فيها بأنه لا يملك شيئًا إلا أن يقول: يا رب. كلمتان قصيرتان، لكنهما تختصران الكثير، تختصران التعب حين لا نجد من نفهمه، والخوف حين لا نعرف ماذا سيحدث غدًا، والحيرة حين تتعدد الطرق، والندم حين نكتشف أننا أخطأنا، والوحدة حين يبدو العالم مزدحمًا ولا نجد فيه مكانًا نضع فيه قلوبنا.
وفي تلك اللحظة، لا نحتاج إلى كلمات كثيرة، يكفي أن نعود، ولعلنا نحتاج أحيانًا إلى أن نثق بذلك النداء الداخلي الذي يأتي في لحظات غير متوقعة. حين نشعر فجأة أننا لا نريد المزيد من الضجيج، ولا المزيد من الانشغال، ولا المزيد من الركض خلف الأشياء، وإنما نريد أن نجلس قليلًا في مكان هادئ ونستعيد شيئًا فقدناه في الطريق، لا تهمل ذلك الشعور، ربما لم يكن ضعفًا، ربما كان رحمة، وربما لم يكن حزنًا عابرًا، ربما كان قلبك يحاول أن يخبرك أنك ابتعدت عن شيء تحتاج إليه أكثر مما كنت تظن.
فإذا ناداك قلبك يومًا، فلا تسارع إلى إسكات صوته، توقف، استمع، اسأل نفسك: إلى ماذا يدعوني هذا الحنين، وإذا كان الطريق الذي يريده قلبك هو طريق الله، فلا تقل إنك تأخرت، لا تقل إن المسافة أصبحت طويلة، لا تقل إنك لا تعرف كيف تبدأ، ابدأ كما أنت، بضعفك، وتعبك، وأسئلتك، وندمك، وكل ما تحمله معك، فالله لا يحتاج منك أن تأتيه بقلب لم ينكسر قط، وإنما أن تأتيه بقلب عرف بعد كل شيء إلى أين يريد أن يعود.
وفي نهاية الطريق، قد نكتشف أن ذلك الصوت الذي حاولنا طويلًا أن نتجاهله لم يكن يطالبنا بشيء مستحيل، كان يقول لنا منذ البداية: اهدأ قليلًا.. ارجع إلى الله.. فما زال في القلب مكان للطريق.