حذامي محجوب
هناك امرأة تبدو للجميع بخير.
تذهب إلى عملها في موعدها، تنجز مسؤولياتها، تتخذ قراراتها بثبات، تدير بيتها، تتابع أبناءها، تسأل عن والديها، تساعد أصدقاءها، وتعرف كيف تتصرف حين تتعقد الأمور.
إذا مرض أحد اتصل بها، وإذا احتاج أحد إلى مشورة لجأ إليها، وإذا نشأ خلاف كانت هي الأقدر على تهدئة الجميع.
اعتاد الناس أن يروها قوية إلى درجة أنهم نسوا أن يطرحوا عليها السؤال الأبسط والأكثر إنسانية: ومن يعتني بك أنت؟.
هذه هي المفارقة القاسية في حياة كثير من النساء: اللاّتي كلما أثبتن قدرتهن على الاحتمال، قلّ انتباه الآخرين إلى ما يحتجن إليه. وكلما نجحن في إدارة حياتهن باستقلال، افترض البعض أنهن لا يحتجن إلى سند.
وكلما أخفين تعبهن ومضين في أداء أدوارهن، أصبح صمودهن ذريعة لمطالبتهن بالمزيد من الصمود.
لكن القوة لا تعني عدم الاحتياج، والاستقلال لا يعني الاستغناء عن الحنان، والقدرة على مواجهة الحياة وحدها لا تعني أن المرأة لا تتمنى، مثل أي إنسان، أن تجد إلى جوارها شخصًا يقول لها ببساطة: اتركي هذا عليّ.. أنا هنا.
لقد تغيرت صورة المرأة العربية بصورة عميقة.
أصبحت حاضرة في مواقع القيادة، والجامعات، والمؤسسات، والإعلام، وريادة الأعمال، والطب والهندسة والبحث العلمي وصناعة القرار.
وفي السعودية خصوصًا، شهد حضور المرأة في الحياة العامة والمهنية تحولات واسعة ضمن مسار تمكينها، فأصبحت موجودة في مجالات كانت تبدو، قبل سنوات قليلة، بعيدة تماما عن حضورها.
لكن صعود المرأة في المجال العام لم يُلغِ بالضرورة التوقعات القديمة داخل المجال الخاص.
قد تكون المرأة مديرة في عملها، ثم تعود إلى البيت لتصبح هي التي تتذكر مواعيد الأطفال، وتتابع احتياجات الأسرة، وتخطط للمناسبات، وتقلق على صحة الوالدين، وتنتبه إلى عشرات التفاصيل التي لا تظهر في أي جدول وظيفي.
إنها لا تحمل فقط ما يراه الآخرون، بل تحمل في ذهنها أيضًا ما ينبغي أن يحدث، وما قد يحدث، وما يجب ألا يُنسى.
وهذا هو ما بات يُعرف بالعبء الذهني داخل الأسرة: التخطيط والتذكر والتنظيم واتخاذ عشرات القرارات الصغيرة التي تجعل الحياة اليومية تسير بصورة طبيعية. وغالبًا ما تتحمل المرأة النصيب الأكبر من هذا العمل غير المرئي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأطفال والتربية وشؤون الأسرة.
غير أن هناك عبئًا آخر أكثر خفاء: العبء العاطفي.
من يلاحظ أن الطفل خائف؟ من يشعر بأن الأم ليست بخير؟ من يهدئ غضب الآخرين؟ من ينتقي كلماته حتى لا يجرح أحدًا؟ من يحاول إصلاح ما فسد في العلاقة؟ ومن يفكر في مشاعر الجميع قبل أن يسأل نفسه عن مشاعره؟.
في كثير من البيوت، تكون المرأة مسؤولة عن هذه التفاصيل غير المرئية أيضا.
وقد يبدو الأمر طبيعيًا في البداية، لأنها الأكثر انتباهًا إلى التفاصيل، أو لأنها اعتادت منذ طفولتها أن تكون «المسؤولة».
لكن المشكلة تبدأ حين يتحول عطاؤها إلى أمر مفروغ منه، وحضورها إلى شيء مضمون، وقدرتها على الاحتمال إلى مبرر كي لا يسأل أحد إن كانت متعبة.
وهنا يقع الرجل أحيانًا في سوء فهم مؤلم.
يرى امرأة مستقلة فيقول: هي لا تحتاج إلى أحد.
يراها قوية فيفترض أنها لا تحتاج إلى مواساة.
يراها قادرة على اتخاذ القرار، فينسى أنها تحتاج أيضًا إلى من يسألها عن رأيها ومشاعرها.
يراها تدير حياتها بنفسها، فيغفل عن أن الاستقلال المادي لا يلغي الحاجة العاطفية.
بل قد يشعر بعض الرجال بالراحة أمام المرأة القوية أكثر مما يشعرون بالمسؤولية تجاهها،لأنها لا تطلب كثيرًا، ولا تشتكي كثيرًا، ولا تجعل حياتها متوقفة عليهم.
وهنا يتحول امتيازها إلى عبء عليها: لأنها قادرة، يُطلب منها المزيد. ولأنها لا تنهار، لا يلتفت أحد إلى أنها تتعب.
لكن المرأة لا تدخل العلاقة العاطفية بحثًا عن شخص يدير عنها حياتها، وإنما بحثًا عن شريك.
وهذا فرق جوهري.
هي لا تقول للرجل: لا أستطيع أن أعيش من دونك.
بل قد تقول، وإن لم تنطق: أستطيع أن أعيش من دونك، لكنني اخترتك لأنني أريد أن تكون حياتي معك أكثر دفئًا وأمانًا وامتلاء.
هي لا تريد رجلًا يصادر استقلالها، ولا رجلا يتخذ قراراتها عنها، ولا رجلا يعاملها ككائن عاجز.
إنها تريد رجلا يستطيع أن يرى ما وراء قوتها.
أن يعرف أن المرأة التي تقول «أنا بخير» قد تكون، في بعض الأيام، بحاجة إلى أن يسألها مرة أخرى.
أن يلاحظ تغير نبرة صوتها.
أن يعرف متى تحتاج إلى الكلام، ومتى تحتاج فقط إلى أن تجد من يفهم صمتها.
أن يدرك أن عبارة «لا شيء» قد تخفي أحيانًا أشياء كثيرة.
وأن يفهم أنها لا تطلب دائمًا حلولا.. أحيانًا كل ما تطلبه هو الحضور.
وهذا ليس ترفا عاطفيا ولا رومانسية زائدة، بل جزء من معنى العلاقة نفسها.
فالعلاقة الناضجة لا تقوم فقط على تقاسم المسؤوليات المادية، وإنما على الإسناد النفسي والعاطفي، وعلى شعور كل طرف بأنه ليس وحيدًا في مواجهة الحياة.
الرجل الذي يقول لامرأة قوية: «أنت لا تحتاجين إليّ»، قد يظن أنه يمدح استقلالها، بينما قد تسمع هي في العبارة معنى مختلفًا تمامًا: «لست مضطرًا إلى الاهتمام بك».
والفارق بين المعنيين مؤلم.
فالمرأة القوية لا تبحث عن رجل يثبت أنها ضعيفة، وإنما عن رجل يجعلها تشعر بأنها ليست مضطرة إلى استخدام قوتها طوال الوقت.
وهنا تكمن واحدة من أجمل المفارقات الإنسانية: قد تكون المرأة قوية لأنها تعرف أنها قادرة على الاعتماد على نفسها، لكنها تكون أكثر راحة حين تعرف أنها ليست مضطرة إلى الاعتماد على نفسها في كل شيء.
أن تقول: «أنا أستطيع»، شيء.
وأن تشعر بأن هناك من يقول لك: « لا داعي لأن تفعلي كل شيء وحدك «، شيء آخر تمامًا.
هي لا تريد أن تكون طفلة في علاقة، لكنها تريد مساحة تستطيع فيها أن تتعب.
لا تريد أبا، لكنها تريد رجلا يشعر بالمسؤولية تجاه العلاقة.
لا تريد من ينقذها، لكنها تريد من يشاركها حمل الحياة.
ولا تريد أن تتخلى عن قوتها، بل تريد أن تعرف أن قوتها ليست سببًا في حرمانها من الحنان.
ولعل هذه هي النقطة التي يغفل عنها كثيرون : المرأة القوية ليست امرأة أقل عاطفة، بل ربما تكون أكثر تقديرًا لمعنى الشراكة. فهي لا تبحث عن شخص يقوم مقامها، وإنما عن شخص يضيف إليها.
لا تريد من يحمل حياتها كلها، وإنما من يحمل معها جزءًا منها.
وحين تكون العلاقة صحية، لا تتحول القوة إلى منافسة بين الرجل والمرأة.
لا يشعر الرجل بأن نجاح المرأة ينتقص منه، ولا تشعر المرأة بأنها مطالبة بتصغير نفسها كي تمنحه شعورًا بالتفوق.
بل يصبح نجاح أحدهما مكسبًا للآخر.
هي تسنده حين يحتاج إليها، وهو يسندها حين تحتاج إليه.
هي تسمع مخاوفه، وهو يسمع مخاوفها.
هي تطمئنه في لحظات ضعفه، وهو لا يختفي حين يأتي دورها في الضعف.
تلك هي الشراكة الحقيقية.
لكن ما يحدث أحيانًا هو أن المرأة تعطي أكثر مما تطلب، ثم تبدأ في طلب أبسط الأشياء: سؤال، اهتمام، مبادرة، كلمة حنونة، وقت، حضور.
وحين لا تجدها، قد تعيد الطلب مرة ثانية وثالثة … ثم تصمت.
وهنا ينبغي أن ينتبه الرجل.
فالمرأة لا تصمت دائمًا لأنها لم تعد تحب.
أحيانًا تصمت لأنها تعبت من شرح ما كان ينبغي أن يكون بديهيًا.
تعبت من أن تقول: اسألني.
انتبه إليّ.طمئنني.
لا تجعلني دائمًا الطرف الذي يبادر.
أريد أن أشعر أنك تراني، لا أنك تعتمد على قدرتي على التحمل.
وحين تصل المرأة إلى مرحلة الصمت، قد يخطئ الرجل في تفسيره. يظن أنها أصبحت باردة أو متطلبة أو متغيرة.
بينما تكون الحقيقة أكثر بساطة وأكثر قسوة:
لقد استُنزفت.
فالإنسان لا يتعب فقط من كثرة المسؤوليات، وإنما يتعب أيضًا من الشعور بأنه وحده في تحملها.
ولهذا فإن تمكين المرأة لا ينبغي أن يعني فقط مطالبتها بأن تكون أقوى، وأكثر نجاحًا، وأكثر قدرة على المنافسة.
بل ينبغي أيضًا أن نعيد النظر في البيئة الاجتماعية والعاطفية التي تحيط بها، وأن نفهم أن نجاحها لا يلغي حقها في الراحة، وأن استقلالها لا يسقط حاجتها إلى الشراكة.
فالمرأة التي تعمل وتنجح وتربي وتعتني ليست بحاجة إلى التصفيق الدائم بقدر حاجتها إلى شراكة حقيقية.
ربما لا نحتاج إلى مزيد من العبارات التي تقول للمرأة: « أنت قوية».
ربما نحتاج إلى أن نقول لها شيئًا آخر:
من حقك أن تتعبي.
من حقك أن تحتاجي.
من حقك أن تطلبي.
ومن حقك أيضًا أن تجدي من يعطيك دون أن تضطري إلى طلب كل شيء.
هذه ليست دعوة إلى إعادة المرأة إلى موقع التبعية، بل العكس تماما. إنها دعوة إلى أن يصبح استقلال المرأة منسجمًا مع الحميمية، وأن يصبح نجاحها متصالحًا مع حقها في الحنان، وأن نفهم أن المرأة التي تستطيع أن تحمل نفسها لا ينبغي أن تُحرم من متعة أن يحمل عنها من تحب شيئًا من أثقالها.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الرجل مع امرأة قوية ليس أن يكرر أمامها أنها لا تحتاج إلى أحد.
بل أن يقول لها، حين يرى التعب في عينيها:
«أعرف أنك تستطيعين.. لكن ليس عليك أن تفعلي كل شيء وحدك».
قد تكون هذه الجملة أعمق من عشرات قصائد الحب.
لأن الحب، في جوهره، ليس أن تجد شخصا يُعجب بقدرتك على الاحتمال.
الحب أن تجد شخصًا لا يريد أن يختبر إلى أي حد تستطيع الاحتمال.
والمرأة التي تعتني بالجميع لا تحتاج إلى من يصفق لقوتها من بعيد.
إنها تحتاج، مثل أي إنسان، إلى شخص يقترب.
شخص يلاحظ تعبها قبل أن تضطر إلى الاعتراف به، ويمنحها الأمان قبل أن تطلبه، ويقول لها بالفعل لا بالكلمات فقط:
هذه المرة.. اتركي الأمر لي.