د. هبة توفيق أبو عيادة
قد يخسر الإنسان مالاً ثم يسترده، وقد يفقد منصبًا فيبلغ أعلى منه، وقد يتعثر في طريقه ثم ينهض من جديد أقوى مما كان عليه؛ لكن هناك خسارة لا تُستعاد بسهولة: أن تسقط من أعين الناس بسبب كلمة. فالكلمة لا تنتهي حين تخرج من الفم، وقد تكون أقصر طريق إلى القلوب، أو أسرع طريق إلى سقوط الهيبة.
وفي حكمة قديمة أكثر حضورًا في زمننا: من طاب لفظه علا قدره. عبارة قصيرة؛ لكنها تختزل ميزانًا كاملًا للأخلاق والهيبة والمروءة. فاللفظ ليس صوتًا عابرًا، وإنما أثرٌ يكشف معدن صاحبه، ويمنح صورته في أعين الناس شكلها الحقيقي.
ليس من الصعب أن يتحدث الإنسان، لكن الصعب أن يعرف كيف يتحدث. وليس العجز في أن يقول المرء ما يفكر فيه، بل في أن يملك من الوعي ما يجعله يعرف ما الذي ينبغي أن يُقال، وكيف يُقال، ومتى ينبغي أن يصمت. هنا تحديدًا يبدأ الفرق بين شخص يملك لسانًا، وشخص يملك كلمة.
ولطالما أخطأنا حين ظننا أن الهيبة تصنعها حدّة الصوت، أو كثرة الأوامر، أو القدرة على إسكات الآخرين. الهيبة الحقيقية أكثر هدوءًا من ذلك بكثير. إنها أن تستطيع أن تختلف دون إسفاف، وأن تغضب دون أن تظلم، وأن تنتقد دون أن تُهين، وأن تقول الحقيقة دون أن تستخدمها سكينًا في وجه إنسان آخر فليس الشديدُ بالصُّرَعة، إنما الشديدُ الذي يملك نفسَه عند الغضب.
قد يملك المرء علمًا واسعًا، ومكانة رفيعة، وتجربة طويلة، ثم يهدم في دقائق ما بناه في سنوات بسبب لفظٍ متعجل أو عبارة مستفزة. وفي المقابل، قد لا يملك إنسانٌ من أسباب القوة سوى حسن منطقه ورقي تعبيره، لكنه يخرج من المجلس وقد ترك وراءه احترامًا لا يحتاج إلى إثبات. وهذا هو سر الكلمة الطيبة: أنها لا ترفع من قيلت له وحده، بل ترفع قائلها أيضًا.
حين تقول لإنسان أحسنت وأنت صادق، فأنت لا تمنحه مجاملة، بل تمنحه اعترافًا بقيمته. وحين تُحسن النصح دون أن تُشعر الآخر بالدونية، فإنك تمارس صورة نادرة من القوة: قوة تستطيع الإصلاح دون أن تكسر. وحين تختلف مع شخص وتحفظ له كرامته، فأنت تثبت أن أخلاقك أكبر من خلافك معه. كلمات بسيطة وأثرها على النفس عظيم.
ولعل أخطر ما أصاب الخطاب في عصرنا أن السرعة أصبحت تسبق الحكمة. كلمة تُكتب في لحظة غضب قد تنتشر في لحظات، وتعليق عابر قد يتحول إلى جرحٍ طويل، وحكم متسرع قد يختصر إنسانًا كاملًا في موقف واحد. ومع وفرة المنابر، لم تعد المشكلة في أن يجد الإنسان من يسمعه، بل في أن يجد في نفسه ما يستحق أن يُسمع. فصار الكلام سلاحًا لإثبات التفوق، لا وسيلة لبناء الفهم. يرفعون نبرة الصوت حين تضعف حجتهم، ويقسون في العبارة حين يعجزون عن إقناع الآخر، ويحسبون التجريح شجاعة، والسخرية ذكاء، والتعالي ثقة. والحقيقة أن الإنسان لا يبدو قويًا حين يهين غيره؛ بل يكشف في كثير من الأحيان عن هشاشته.
إن الكلمة الراقية لا تعني الضعف، كما أن اللين لا يعني التنازل. يستطيع الإنسان أن يكون حازمًا من غير قسوة، واضحًا من غير فظاظة، شديدًا في موقفه من غير أن يكون وضيعًا في عبارته. فالفصاحة الحقيقية ليست في زخرفة الجمل، وإنما في أن يكون اللفظ على قدر العقل، وأن تكون العبارة على قدر المقام، وأن تكون الحقيقة مصحوبة بالمسؤولية.
ولأن معدن الإنسان يُعرف عند الاختلاف فالمواقف تكشف المعادن، حين تضيق مساحة الصبر وتتسع مساحة الانفعال، يظهر جوهر التربية، ورصيد الأخلاق، ومقدار ما يملكه الإنسان من نفسه. لذلك، فإن تهذيب اللسان ليس درسًا في الأدب فقط، بل هو بناء للإنسان نفسه. فكل كلمة نختارها تعيد تشكيل صورتنا أمام الآخرين، وكل عبارة نطلقها تترك أثرًا في ذاكرتهم، وكل حوار نخوضه يضيف شيئًا إلى سجلنا الذي لا نراه لكنه يبقى حاضرًا في نفوس من عرفونا.
وقد ننسى الأسماء، والوجوه والمواقف والتفاصيل، لكن لا ننسى من احترمنا، أو آذانا. هذه هي القوة الخفية للكلمة: أنها لا تحتاج إلى وقت طويل كي تؤثر، لكنها قد تحتاج إلى عمر كامل كي تُنسى. فالكلمة المسؤولة امتيازًا. وفي عالمٍ يظن فيه كثيرون أن رفع الصوت دليل قوة، تظل الحقيقة أبسط وأعمق: أقوى الناس ليس أكثرهم كلامًا، بل أكثرهم قدرة على أن يجعل لكلماته وزنًا.
فلا تستهن بلفظٍ تظنه عابرًا؛ فقد يكون بالنسبة إلى غيرك ذكرى لا تنتهي. ولا تبخل بكلمة طيبة تظن أنها صغيرة؛ فقد تكون عند شخصٍ ما سببًا في أن يكمل طريقه.
لن يبقى لنا من كثيرٍ مما قلناه سوى الأثر. ستتساقط التفاصيل، وتختفي الضوضاء، ويمضي أصحاب المجالس، وتبقى في ذاكرة الناس نبرةٌ وكلمةٌ وموقف. فاحرص أن تكون حين تُذكر، تُذكر كلمتك قبل اسمك، وأثرك قبل حضورك؛ لأن الإنسان قد يفرض نفسه بصوته، لكنه لا يرفع قدره إلا بحسن لفظه.