د.عبدالرحمن الحبيب
الإنترنت مع وسائل التواصل الاجتماعي عززت التفاعل بين أشخاص بخلفيات ثقافية متنوعة، قد يحدث بينها صعوبة في التفاهم المتبادل، خاصة فيما يتعلق بالإقناع والحوار؛ فالبشر يتأثرون بالثقافة التي نشأوا فيها ويفهمون العالم وفقاً لتلك التنشئة.
ومع إدراكنا للاختلافات الثقافية وتأثيرها على السلوك، نجد أن التواصل بين الدول والمؤسسات والأفراد يتوسع بسرعة فائقة عبر العالم في هذا العصر الرقمي، ولعل أهمها مجال الأعمال في الفرق المتعددة الجنسيات الذي يُتوقع من أشخاص ذوي خلفيات شديدة التباين العمل معًا بانسجام، مما يتطلب مهارات لإدارة الاختلافات الثقافية وفهمها، منعاً لحدوث سوء فهم.
ثمة أمثلة مفيدة وطريفة يقدمها كتاب: «خريطة الثقافة: فك شفرة كيفية تفكير الناس وقيادتهم وإنجازهم للأمور عبر الثقافات» تأليف إيرين ماير بروفيسورة ممارسات الإدارة والسلوك التنظيمي.
على سبيل المثال، في أساليب الإقناع، تفضل بعض الثقافات البدء بالمبادئ والنظريات قبل الانتقال للتطبيقات، كما هو شائع بالعديد من الثقافات الآسيوية، بينما تفضل ثقافات أخرى استخدام الأمثلة والتطبيقات العملية، كما في العديد من الثقافات الغربية. لذا، إذا كنت تخاطب جمهورًا متعدد الثقافات، فاحرص على التناوب بين النظري والعملي.
أما أكثر جوانب التعامل حساسية فهو تقييم عمل الآخرين، إذ يتراوح بين النقد المباشر والصريح، والنهج الدبلوماسي واللطيف. في ثقافات مثل روسيا وهولندا وفرنسا وألمانيا، غالبًا ما يكون التقييم مباشرًا وواضحًا، وقد يتضمن أحيانًا نقدًا علنيًا؛ أما الأمريكيون فيميلون إلى تخفيف حدة تعليقاتهم السلبية، والبدء بتعليقات لطيفة قبل النقد.
بالمقابل، الآسيويون غالباً حساسون لا ينتقدون زملاءهم أمام الآخرين، فهم يأخذون الأمر على محمل شخصي وقد يتركون الشركة إذا تعرضوا لنقد سلبي مباشر! وهنا، عليك أن تُدرّب نفسك في كيفية تقديم التقييمات السلبية، ولمن تُناسب.
تستكشف المؤلفة اختلاف أساليب التواصل باختلاف الثقافات، وما يترتب عليها من نتائج مثيرة للاهتمام، بل ومضحكة أحياناً، لكنها غالبًا ما تُسبب ارتباكًا في التفاهم. إلا أن الكتاب يؤكد إن لكل ثقافة مميزاتها وتحدياتها، دون تفضيل ثقافة على أخرى، مقدماً إطاراً عملياً يساعدك على فهم الثقافات الأخرى التي تتعامل معها، مما يتيح لك تعديل أسلوب إدارتك وتواصلك لضمان نجاح فرق العمل متعددة الجنسيات.
يحتوي الكتاب على ثمانية معايير تقيس اختلاف الثقافات حول العالم، وهي: التواصل، والتقييم، والإقناع، والقيادة، واتخاذ القرارات، والثقة، والاختلاف، وجدولة الأعمال.
ففي مقياس التواصل، يتم في الثقافات الأنجلوسكسونية كالولايات المتحدة، بوضوح شديد لضمان وصول رسالتهم، بينما يبدو ذلك غير لائق في ثقافات أخرى، مثل العديد من الثقافات الآسيوية كاليابان حيث يعتمد التواصل على ما بين السطور والمعاني الخفية، وقد يبدو للبعض أنهم كتومين وغير واضحين. هذا الاختلاف قد يسبب إرباكاً متبادلاً مالم يتم استيعابه.
وفيما يخص الاختلاف عن المناقشة، فذلك يحتاج حذراً في إدارته، يمكن للمرء أن يقول: «أنا أختلف مع فكرتك، وليس معك»، ولكن تجنب تحدي وجهة نظر شخص علناً، وأسأل نفسك: هل المواجهة المباشرة والمناقشة المفتوحة تعتبر علامة على صحة العمل أم أنها تعتبر وقاحة وتهديداً لانسجام المجموعة؟
وفيما يخص القيادة، يعتقد الإسكندنافيون أن المدير مثل أي موظف عادي، بينما يتمسك سكان أمريكا اللاتينية وآسيا بالتسلسل الهرمي، في حين يقع سكان إسبانيا وإيطاليا في الوسط؛ أما في اليابان، يُنظر إلى الأكبر سنَاً على أنه أعلى مرتبة من الأصغر.
أخيراً ينبه الكتاب أنه بغض النظر عمن تتحدث إليه، من المهم أن تبدأ الحوار برغبة صادقة في فهم ما يميزه، مع تجنب الحكم على بعض السلوكيات بأنها طبيعية ورائعة، او أنها غريبة وغير لائقة. فنحن نتأثر بالثقافة التي نشأنا فيها ونفسر العالم بطرق مختلفة.