خالد محسن المسمار
لم تعد الرياضات الإلكترونية مجرد منافسات تُمارس خلف شاشات الحواسيب، بل أصبحت صناعة عالمية تتقاطع فيها الرياضة مع التقنية والاستثمار والإبداع، وتفتح مجالات جديدة أمام جيل يعيش جزءًا كبيرًا من تجربته اليومية في العالم الرقمي. ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة المملكة في هذا القطاع أكثر من مجرد استضافة لبطولة رياضية؛ إنها تجربة في بناء صناعة جديدة قادرة على الحضور في المشهد العالمي.
كأس العالم للرياضات الإلكترونية يمثل مثالًا واضحًا على هذا التحول الذي يقوده عرابنا الملهم الأمير محمد بن سلمان حفظه الله. فالمشروع الذي وُلد في الرياض، وفق وصف مسؤولي القطاع، انتقل إلى باريس في نسخته لعام 2026، ليؤكد أن الطموح لم يكن محصورًا في إقامة حدث كبير داخل المملكة، وإنما في بناء منصة تمتلك القدرة على الانتشار والتأثير عالميًا.
واللافت أن نجاح هذه التجربة لا يقاس فقط بعدد المباريات أو الجوائز أو الفرق المشاركة، بل بما تخلقه من منظومة اقتصادية ومهنية متكاملة. فالرياضات الإلكترونية تفتح المجال أمام اللاعبين والمدربين والمطورين وصنّاع المحتوى والمنظمين والمستثمرين، وتخلق وظائف ومهارات جديدة لم تكن موجودة بهذا الحجم قبل سنوات قليلة. وفي نسخة باريس 2026، تجاوزت جوائز البطولة 75 مليون دولار، فيما استقطبت المنافسات أكثر من مليوني زيارة، وهو ما يعكس حجم الاهتمام المتزايد بهذا القطاع.
لكن الأهم من الأرقام هو الرسالة التي تحملها التجربة: أن الاستثمار في المستقبل لا يعني دائمًا الدخول في صناعات تقليدية، بل قد يعني اكتشاف المجالات التي ينمو فيها اهتمام الشباب عالميًا، ثم تحويل هذا الاهتمام إلى اقتصاد ومهارات وفرص. وهنا تبرز الرياضات الإلكترونية بوصفها نموذجًا لصناعة حديثة تجمع بين التكنولوجيا والترفيه والرياضة، وتمنح المواهب الشابة مساحة للوصول إلى جمهور يتجاوز الحدود الجغرافية.
كما أن انتقال البطولة إلى باريس لا يعني بالضرورة ابتعادها عن المملكة، بل يمكن قراءته باعتباره امتدادًا لحضورها في القطاع. فحين تنتقل فكرة بدأت في الرياض إلى عاصمة عالمية أخرى، فإن نجاحها يصبح جزءًا من قصة أوسع تتجاوز المكان الذي بدأت فيه. وهذا تحديدًا ما يجعل التجربة مختلفة: أن يكون الطموح هو صناعة حدث قادر على السفر، لا حدثًا ينتظر العالم ليأتي إليه فقط.
في النهاية، قصة كأس العالم للرياضات الإلكترونية ليست قصة لعبة تُمارس على شاشة، وإنما قصة قطاع يتشكل أمام أعيننا. وربما تكون القيمة الأكبر في هذه التجربة أنها تذكّرنا بأن الصناعات التي ستقود المستقبل قد لا تكون دائمًا تلك التي اعتدنا النظر إليها باعتبارها «قطاعات رئيسة»، بل تلك التي تمتلك القدرة على جذب المواهب، وتحريك الاقتصاد، وصناعة التأثير.
فمن الرياض بدأت الفكرة، وإلى العالم اتسعت الحكاية؛ لتثبت الرياضات الإلكترونية أن المستقبل قد يبدأ أحيانًا من شاشة صغيرة، لكنه قادر على صناعة أثر كبير.