إبراهيم بن سعد الماجد
شهدت الرياض على مدى ثلاثة أيام، وتحت رعاية كريمة من صاحب السمو الملكي الامير عبدالعزيز بن سعود بن نايف وزير الداخلية، حدثاً مهماً، له أكثر من دلالة، فالتاريخ حاضر بكل تفاصيله، والأمن نال حظه من البحث والبيان، والمؤسسة العلمية الشرعية والعلماء ودورهم في حفظ الأمن الفكري والسلم المجتمعي، كل ذلك وأكثر كان حاضراً على مسرح الحدث، الذي ضم أكثر من 160 متحدثاً من داخل المملكة وخارجها، تحت مظلة « مؤتمر حوار الأمن والتاريخ 2026» الذي نظمته وزارة الداخلية في قصر الثقافة بحي السفارات بالرياض، هذه التظاهرة لم تكن مؤتمراً أمنياً تقليدياً، ولا ندوة تاريخية أكاديمية، بل هو محاولة جادة للإجابة على سؤال جوهري: كيف صنعت السعودية أمنها عبر ثلاثة قرون، وكيف يصنع هذا الأمن مستقبلها؟
65 جلسة حوارية تحدث خلالها أمراء ووزراء وقادة أمنيون، وأصحاب قلم وفكر، تحدثوا عن استقرار وطن، وتنمية إنسان، ونهضة أرض، تحدثوا عن ماضٍ عريق، كان مضرب المثل في أنظمته وتشريعاته التي لم تتبدل ولم تتغير طوال أكثر من ثلاثة قرون، وما ذلك إلا وكما أشار أمين هيئة كبار العلماء الشيخ الدكتور فهد الماجد في حواره إلى أن سبب ذلك كون هذه البلاد في مراحلها الثلاث، الدولة السعودية الأولى والثانية والحاضرة تستمد تشريعاتها وأنظمتها من كتاب الله وسنة رسوله- صلى الله عليه وسلم.
مؤكداً على أنه «لا بد للمجتمعات المسلمة من مرجعية إفتائية موثوقة؛ فمع وجود مساحة للاجتهاد وتعدد المذاهب والآراء، تبقى بعض القضايا الفكرية العامة بحاجة إلى رأي شرعي حاسم صادر عن جهة موثوقة؛ بما يعزز الأمن الفكري واستقرار المجتمع».
وقال د. فهد «أي طرح يتجه إلى الطعن في الثوابت الشرعية والوطنية، حتى وإن ظهر بمظهر علمي، فإنه يسعى إلى التأثير في الأمن الكلي، وليس الأمن الفكري فحسب، بل الأمن السياسي أيضاً؛ لأن أي مجتمع، أو دولة، أو أمة أو حضارة، إذا اهتزت ثوابتها، أصبحت في طريقها إلى الاضمحلال».
هذا التأكيد الذي يمثل أعلى هيئة شرعية في البلاد يؤكد على أن أنظمة الدولة وتشريعاتها تمر عبر الهيئة الشرعية لتأكيد سلامة الإجراء وأنه يتوافق مع دستور هذه البلاد.
ليأتي تأكيد معالي الفريق محمد البسامي مدير الأمن العام على أمر في غاية الأهمية، ويبعث على الاطمئنان حيث أشار إلى أن: «أمن المملكة في المستقبل يقوم على خمس ركائز: الأمن الاستباقي الذي يقرأ المؤشرات قبل أن تتحول إلى أحداث، والأمن الذكي الذي يوظف التحليل المتقدم والذكاء الاصطناعي لدعم القرار، والأمن المتكامل الذي يجعل التخصصات أجزاءً من منظومة واحدة، والأمن المرن القادر على التكيف مع الأزمات، والأمن الإنساني الذي يُبقي الإنسان في مركز المعادلة».
ويؤكد معاليه في هذا الحوار أن: «الأمن لم يكن فصلاً تالياً لتأسيس الدولة، بل كان في صميم فعل التأسيس؛ فكسب الأرض شيء، وجعلها آمنة مستقرة خاضعة للنظام شيء آخر، فالانتصار العسكري قد يفتح الباب، لكن الأمن هو الذي يحوّل الانتصار إلى دولة، حين يصبح النظام نافذاً، والطريق مأموناً، والحق مصوناً، والإنسان واثقاً بأن وراءه سلطة تحميه».
نلاحظ رسائل المؤتمر الثلاث الواضحة كما أشار لها الاستاذ أحمد الطويان المستشار في مكتب سمو وزير الداخلية والمشرف على المؤتمر حيث قال:
«مؤتمرنا يحمل ثلاث رسائل
الأمن: منهج ثابت لا وليد ظرف.
الهوية: قصة المملكة من بداية الطريق إلى وطن راسخ ومسيرة ممتدة.
النماء: لا تنمية بلا أمن، ولا مستقبل بلا تاريخ».
والمتابع لجلسات المؤتمر يقرأ الرسائل الثلاث بكل وضوح في كل ما دار من حوارات ولقاءات ومناقشات، حيث كانت تدور في هذا الفلك ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.
ضخامة المؤتمر لم تؤثر على جودة التنظيم، فقد كان مميزاً حتى لمن هم خارج أروقته، فقد عاش كل مهتم سواء داخل المملكة او خارجها الحدث بكل تفاصيله مما منح الجميع الفرصة في الاستفادة مما دار في أروقة المؤتمر.
إن فهم ماضينا يمنحنا فهم حاضرنا والتخطيط لمستقبلنا بكل ثقة، وهذا أحد أهداف المؤتمر، وإننا - بإذن الله - على هذا النهج سائرون، ولأهدافنا محققون.
الشكر الجزيل لكل من خطط وعمل لإنجاح هذا الحدث الكبير.