م. بدر بن ناصر الحمدان
ما الذي يجعل أرضاً قاحلة في ضواحي المدينة، غير مطوّرة، تفتقر إلى أدنى المقومات الطبيعية، وتتعارض خصائصها مع معايير اختيار المواقع الصالحة للسكن، فضلاً عن افتقارها إلى البنية التحتية ومقومات التهيئة والتنمية الحضرية، أن تتحول إلى واحدة من أغلى الأحياء السكنية، وتُصنَّف وتُسوَّق عقارياً باعتبارها أفضل حي للسكن على مستوى المدينة؟
في إدارة المدن، يعتمد تقييم جودة الأحياء السكنية وصلاحيتها للعيش على مجموعة مترابطة من المعايير والعوامل والاشتراطات التي تناولتها منظمات وبيوت خبرة دولية. فعلى سبيل المثال، تركز منظمة الصحة العالمية على الصحة وجودة البيئة السكنية، بينما يهتم برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية بالتخطيط العمراني المتكامل والمترابط، وتنوع استخدامات الأراضي، وتوفير البنية التحتية الأساسية. ويقيّم معهد سياسات النقل والتنمية قابلية المشي والدراجات، وترابط شبكة الحركة، وكفاءة النقل العام، كأحد المعايير الرئيسة للجودة، فيما تتناول المنظمة الدولية للتقييس مؤشرات خدمات المدن وجودة الحياة، إلى جانب العديد من المصادر والمعايير الأخرى التي تهتم بالمكان بوصفه حيزاً ملائماً لحياة الناس، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى.
ما حدث في حقيقة الأمر خلال السنوات الماضية هو أن المؤثرات السوقية والعقارية امتلكت القدرة على صناعة الجاذبية والقيمة السوقية، وترسيخ السمعة، وبناء الصورة الذهنية لدى الناس عن تلك الأحياء السكنية باعتبارها الأفضل؛ وهي صورة لا تعني بالضرورة جودة تلك الأحياء على مستوى العمران والتنمية. وقد أسهم ذلك عبر الزمن في ترسيخ ثقافة عقارية موجّهة نحو المصالح، وأدى إلى خلق معايير وهمية أثّرت في تركيبة اقتصاديات المدن، وفي الطريقة التي يُنظر بها إلى جودة الأحياء وقيمتها.
هذا الوضع بدأ يتلاشى بشكل واضح بعد أن استعادَت إدارة المدن دورها الفعلي في التحكم ببيئة العقار، من خلال قرارات عمرانية صارمة وبدائل مباشرة دخلت حيز التنفيذ من أجل معالجة هذه الثقافة التي عانت منها المدن وسكانها لسنوات طويلة.