سالم المحيلبي
تُثبت التحولات الإقليمية المتسارعة أن الوحدة الخليجية تشكل خط الدفاع الأول والحصن المنيع لحماية سيادة دول مجلس التعاون واستقرار شعوبها في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات متسارعة وتحديات أمنية متزايدة، فالمساس بأمن أي دولة عضو هو اعتداء مباشر على المنظومة بأكملها، نظراً لارتباط المصالح وتكامل المصير الجغرافي والتاريخي. وأمام هذه التحديات، يتجلى التكاتف الأخوي كضرورة استراتيجية ووجودية تفرض موقفاً موحداً وحازماً ضد أي تهديدات خارجية. ولعل المخاطر التي تواجه المنطقة لم تعد مجرد أحداث عابرة أو أزمات محدودة، أصبحت تهديداً يتطلب موقفاً خليجياً موحداً، ورؤية مشتركة، وقدرة على التعامل مع مختلف التحديات بحزم ومسؤولية، ليكون في أعلى درجات التكامل الدفاعي والأمني وتبادل المعلومات، لاسيما جاهزية التنسيق الميداني توجه رسالة صريحة بأن أمن المجلس خط أحمر لا يمكن التهاون فيه أو تجزئته. إن الاعتداءات والتهديدات الإيرانية المتكررة تجاه دول مجلس التعاون الخليجي تؤكد أن أمن دول الخليج مترابط ولا يمكن تجزئته، فما يمس دولة خليجية واحدة لا يمكن أن يكون بعيداً عن بقية دول المجلس، لأن الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة تجعل من أمن الخليج منظومة واحدة، ومن استقرار دوله مسؤولية جماعية، بل وأثبتت الأحداث أن سياسة استهداف دول الخليج أو تهديد أمنها واستقرارها لن تؤدي إلى إضعافها، بل على العكس، تزيدها تمسكاً بوحدتها وتضامنها. فدول مجلس التعاون تمتلك من المقومات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية ما يجعلها قادرة على حماية مصالحها، متى ما توحدت مواقفها وابتعدت عن أي محاولات لزرع الفرقة أو بث الخلافات بين دولها وشعوبها.
إن المرحلة الراهنة تتطلب تعزيز العمل الخليجي المشترك، والارتقاء به من مستوى التنسيق إلى مستوى أعلى من التكامل في المجالات الأمنية والدفاعية والسياسية. فالتحديات الجديدة لا تواجه بالبيانات وحدها، وإنما تحتاج إلى جاهزية وتعاون وتبادل للمعلومات وتنسيق مستمر، ورسالة واضحة تؤكد أن أمن دول مجلس التعاون خط أحمر، وأن أي اعتداء على دولة خليجية هو اعتداء على منظومة الخليج بأكملها.
إن الوعي الشعبي والخطاب الإعلامي المتزن يمثلان عاملاً مهماً في مواجهة محاولات التأثير وزعزعة الاستقرار، بل وركيزة أساسية في ترسيخ تماسك الصف الداخلي ومواجهة الشائعات، فالشعوب الخليجية، بما يجمعها من روابط تاريخية واجتماعية وثقافية عميقة، كانت وستظل السند الحقيقي لوحدة الصف الخليجي. ومن هنا تبرز أهمية السلام والاستقرار المستدامين اللذين لا يتحققان بالتردد، بل بامتلاك قوة الموقف الموحد الذي يضمن احترام السيادة الخليجية.
إن دول الخليج لا تبحث عن الصدام، ولا تسعى إلى التصعيد، لكنها في الوقت ذاته لا يمكن أن تقبل المساس بأمنها وسيادتها أو تهديد شعوبها. فالسلام الحقيقي لا يتحقق بالضعف، والاستقرار لا يُصان بالتردد، وإنما بالقدرة على حماية الأمن والحقوق والمصالح، وبامتلاك موقف موحد يفرض احترام دول المنطقة وسيادتها.
وفي مواجهة الاعتداءات والتهديدات الإيرانية، فإن الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى الجميع هي أن الخليج واحد، وأمنه واحد، ومصيره واحد. وكلما ازدادت التحديات، ازدادت الحاجة إلى التماسك والتضامن، لأن وحدة دول مجلس التعاون ليست مجرد خيار سياسي، بل ضرورة إستراتيجية ووجودية تفرضها طبيعة المرحلة وحجم المخاطر.
لقد أثبت التاريخ أن الدول التي تتوحد في مواجهة التحديات تكون أكثر قدرة على حماية أمنها ومصالحها، والابتعاد عن كل ما من شأنه تأجيج الخلافات أو خدمة أجندات تستهدف أمن المنطقة واستقراره، وبالفعل إننا في الخليج بحاجة إلى مزيد من الوحدة، ومزيد من التنسيق، ومزيد من الثقة المتبادلة، حتى يبقى قادراً على مواجهة كل من يحاول العبث بأمنه أو تهديد استقراره.
** **
- إعلامي وكاتب كويتي