د. حسين علي غالب بابان
سبق أن كتبت قصة قصيرة بالعنوان نفسه ونشرتها قبل عقد من الزمن، واليوم جعلتها مقالًا قصيرًا أقدمه للقارئ الكريم، بعدما سمعتها من عشرات الأشخاص في قرية من قرى إقليم كوردستان، علمًا بأن الرجل بطل القصة توفاه الله قبل عدة أشهر.
لم يكن الرجل طبيبًا، لكنه أصبح كذلك في نظر أهل القرية، لأنهم صدقوا مظهره ومنحوه ثقتهم،كل صباح كان العشرات يقفون أمام بيته طلبًا للعلاج، بينهم طفل يبكي من الألم، وعجوز تبحث عن دواء، ورجل يشكو من وجع في ظهره، وكان الرجل يستقبلهم بثقة كبيرة ويفتح حقيبته القديمة، ثم يخرج علبة بلون معين ويعطي المريض دواءه بكل بساطة وسرعة، ومن دون إجراء أي فحوصات، وكأنه طبيب خبير يعرف تمامًا ما يفعل.
الحقيقة أن الرجل لم يكن يعرف حتى القراءة والكتابة، وكان يتميز بالبساطة وقليل من السذاجة، ولم يدرس الطب الشعبي يومًا، وكل ما كان يفعله أنه يذهب إلى صيدلية في المدينة، ويطلب من الصيدلي أن يضع أنواع الأدوية في علب مختلفة الألوان، ثم يحفظ الألوان ويربط كل لون بنوع معين من الأدوية، ومع مرور الوقت أصبح قادرًا على اختيار العلبة بناءً على شكوى المريض، فظن أهل القرية أن لديه قدرة استثنائية خارقة على التشخيص.
المفارقة هنا أن الرجل لم يصنع مكانته بنفسه وحده، بل ساعده الناس على صناعتها، فقد كانت ثقتهم العمياء به أقوى من أي شهادة و أكبر من أي دليل، لم يسأل أحد أين تعلم الطب ولم يتحقق أحد من خبرته ولم يفكر أحد في خطورة أن يتلقى الإنسان دواءً من شخص لا يعرف شيئًا عن الطب..!
هذه القصة لا تتحدث عن رجل جاهل فحسب، بل تكشف مشكلة أوسع تتكرر في حياتنا عندما نمنح أشخاصًا ما لا يستحقونه، لمجرد أنهم يتحدثون بثقة أو يظهرون بمظهر الخبير، فالثقة ليست دليلًا على المعرفة والمظهر ليس شهادة، والكلام المقنع لا يعني بالضرورة أنه صحيح.
في زمن تنتشر فيه المعلومات بسرعة، أصبح السؤال أكثر أهمية من أي وقت مضى، فقد يصنع الناس من الجاهل خبيرًا ومن الوهم حقيقة، فقط لأنهم توقفوا عن السؤال.
** **
- أكاديمي وكاتب كردي مقيم في بريطانيا