«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
لم يكن يتوقع الناقد والباحث الأدبي الدكتور محمد البشير أن تبقى «علبة سفن أب» عالقة في ذاكرته أكثر من عشرين عامًا؛ لكنها تحولت، بعد سنوات، إلى مفتاح قاده نحو سؤال نقدي أوسع عن حضور المدينة في قصص القاص السعودي يوسف المحيميد، وصولًا إلى مفهوم «السيرة المكانية».
من حكاية عابرة إلى سؤال عن المدينة
جاء ذلك في ورقة البشير «السيرة المكانية للمدينة في قصص يوسف المحيميد: مقاربة في إعادة إنتاج الفضاء السردي»، التي قدمها ضمن ملتقى «نالا للسرد» الأول في الرياض، في محور «تسريد المدينة في القصة القصيرة المعاصرة».
ويعود البشير ببداية هذا السؤال إلى ديسمبر 2004، حين حضر أمسية قصصية لنادي المنطقة الشرقية الأدبي، شارك فيها يوسف المحيميد وجبير المليحان، وقرأ المحيميد يومها قصة «مجرد علبة ليست رخيصة».
وعلى الرغم من مرور أكثر من عقدين، بقيت في ذاكرته تفاصيل تلك القصة: رجل مكلوم يجرجر حزنه في شوارع الرياض، وأب يرقد في ثلاجة مستشفى، وعلبة «سفن أب» ظلت، على نحو لافت، حاضرة في الذاكرة.
حين يصبح المكان شريكًا في الحكاية
من هذه الذكرى انفتح سؤال البشير: ماذا يحدث حين لا تكون العلاقة بين الإنسان والأشياء فحسب، بل بين الإنسان والمدينة أيضًا؟ ومتى يتوقف المكان عن أن يكون مجرد إجابة عن سؤال «أين وقع الحدث؟»، ليصبح جزءًا من سؤال أعمق: ماذا فعل الحدث بالمكان، وماذا فعل المكان بالإنسان؟
وانطلق البشير في قراءته من مجموعة من قصص المحيميد، ولا سيما «تلك اليد المحتالة» و«مجرد ظلال منسية»، متتبعًا العلامة المكانية وتحول وظائفها ودلالاتها، وصولًا إلى فرضية مفادها أن المدينة لدى المحيميد لا تكتفي باحتضان الحدث، بل تقترب من أن تصبح ذاتًا سردية منتجة للدلالة.
مدينة تتنفس وتتوقف وتتخيل
وقسّم البشير تحولات المدينة إلى حالات متعددة؛ ففي «المدينة الجسد» تتخذ المدينة صفات الإنسان، فتغمض الشوارع، وتنطفئ المقاهي، وتبكي المدينة أهلها.
وفي «المدينة المعطلة»، تكشف قصص الجائحة كيف يمكن للمكان المألوف أن يفقد وظائفه المعتادة؛ فيتحول السوبرماركت إلى ما يشبه نقطة تفتيش، ويغدو جهاز قياس الحرارة، في وعي الشخصية، أشبه بمسدس.
أما «المدينة المعلقة»، فتقف بين الواقع والاحتمال؛ إذ تتبدل وظائف الأشياء ودلالاتها، فيبدو القفاز حمامة، والترمومتر مسدسًا، وتتحول المانيكانات إلى كائنات تبحث عن رؤوسها.
وهنا، بحسب البشير، لا يتغير الشيء بقدر ما تتغير العين التي تراه؛ فالمكان ذاته يمكن أن يكتسب دلالة مختلفة تبعًا للوعي الذي ينظر إليه، وللحالة النفسية والسردية التي تحيط به.
الرياض.. أكثر من مدينة
وعند قصة «الرياض»، يتوقف البشير أمام المدينة المسماة صراحة، مستحضرًا في المقابل صورة الرياض في شعر الأمير الراحل بدر بن عبدالمحسن؛ فالليل عند البدر يكشف رقة المدينة وحنينها، بينما يكشفها عند المحيميد بوجه آخر، تتصدره الواجهات المغلقة ومانيكانات بلا رؤوس تبحث عن اكتمالها.
ومن هنا تتأكد لديه فكرة أن المدينة الواحدة يمكن أن تنتجها عيون متعددة ولغات متعددة، وأن السرد لا يكتفي بوصف المدينة، بل يعيد تأليفها دلاليًا، ويمنحها صورة جديدة في وعي القارئ.
مدينة مختزلة تختزن الذاكرة
ويلفت البشير كذلك إلى ما يسميه «الاقتصاد المكاني»، حيث لا يحتاج المحيميد إلى وصف المدينة كاملة؛ فقد تكفي نافذة، أو باب، أو ستارة، أو رصيف، أو جدار، لحمل دلالة مدينة بأكملها.
وفي قصة «الذكريات»، يتحول البيت المهجور من مكان فقد وظيفته الواقعية إلى مستودع للزمن والذاكرة؛ ليخلص البشير إلى قاعدة دلالية لافتة: كلما فقد المكان وظيفته الواقعية، ازدادت قابليته لاكتساب وظيفة رمزية.
فالمكان، في هذه القراءة، لا يكتسب قيمته من حضوره المادي وحده، وإنما مما يختزن فيه من آثار وتجارب وذكريات، وما يستدعيه في وعي الشخصيات والقارئ.
«السيرة المكانية».. حين تصبح المدينة شخصية
في ختام قراءته، ينتقل البشير من مفهوم «أنسنة المكان» إلى مفهوم أوسع هو «السيرة المكانية».
فإن تقول إن «المدينة تبكي» قد يكون صورة بلاغية عابرة، أما «السيرة المكانية» فتحتاج إلى زمن وتحول وتراكم وذاكرة؛ أي إنها تحتاج إلى حكاية.
ويقصد البشير بها المسار السردي الذي يتحول فيه المكان من إطار يحتضن الأحداث إلى كيان فاعل يمتلك تاريخًا وتحولات، وتتراكم ملامحه عبر النصوص كما تتراكم ملامح الشخصية الرئيسة.
وبهذا المعنى، لا تعود المدينة مجرد خلفية تتحرك فوقها الشخصيات، بل تصبح شخصية من نوع آخر؛ لها ذاكرتها، وتحولاتها، وآثارها، وصورتها التي تتشكل تدريجيًا عبر الحكايات.
وبقيت العلبة
ويعود البشير في نهاية قراءته إلى تلك الأمسية القديمة، وإلى الرجل وأبيه في ثلاجة المستشفى، وحر الرياض، وعلبة «سفن أب»، متسائلًا: لماذا بقيت تلك العلبة في ذاكرته أكثر من عشرين عامًا؟
لأنها، في قراءته، لم تكن مجرد مشروب داخل قصة؛ كانت باردة في مدينة حارة، فيما كان الأب باردًا في ثلاجة المستشفى، وكان الابن يتحرك بين البرودتين، حاملًا فقره وعجزه في شوارع الرياض.
وهنا تتجاوز العلبة حضورها المادي لتصبح علامة سردية تختصر مفارقة القصة كلها؛ برودة المشروب في مواجهة حر المدينة، وبرودة الجسد في ثلاجة المستشفى، وحركة الابن بينهما، في فضاء تختلط فيه الأشياء بالذاكرة، والمكان بالإنسان.
وهكذا لا تعود المدينة في قصص المحيميد مجرد أمكنة متفرقة، بل مدينة تحتفظ بالأثر؛ نافذة بالخوف، وبيت بالذكريات، وشارع بالغياب، وسوق بصورة الإنسان بعد مغادرته.
ومع تراكم هذه الآثار، تصبح للمدينة حكايتها الخاصة؛ تلك الحكاية التي يقترح البشير تسميتها: «السيرة المكانية».
ملتقى «نالا للسرد»
وشارك في محور «تسريد المدينة في القصة القصيرة المعاصرة»، إلى جانب البشير، كل من الدكتورة بسمة عروس، التي تناولت المدينة بين الحضور المرجعي والتخييل الشعري، والدكتورة شيمة محمد الشمري، التي قرأت دلالات المكان في قصص جارالله الحميد.
وتناولت محاور أخرى في الملتقى موضوعات بناء القص، ودلالات الخطاب، والنقد البيئي، وسردية الأم، وحضور الطبيعة في القصة القصيرة جدًا.