د.عبدالله بن موسى الطاير
فترات عدم اليقين في التاريخ الحديث أنتجت صراعات كارثية، لكن يصعب تشخيص نمطين متقابلين أحدهما للنظام الذي يعمل وفق القواعد ويمكن التبوء بسلوك أعضائه، وآخر للفوضى. المسألة ليست أبيض وأسود ولا انتقال سريع من حال إلى النقيض لها. منطقتنا قد تصنف خارج سياق المألوف، ففي الوقت الذي اتخذ النظام العالمي ترتيباته بعد الحرب العالمية الثانية من أجل إرساء الأمن والاستقرار والنماء والازدهار، كانت منطقتنا تنتقل من أزمة إلى أخرى، وكأن تركيز الفوضى فيها يحمي العالم من ضربات عدم اليقين الموجعة.
منذ ولادة إسرائيل عام 1948م، وما نتج من حروب لاحقة، مروراً بحظر النفط عام 1974م وقيام الثورة في إيران، وحربها مع العراق، واحتلال الاتحاد السوفيتي لأفغانستان، واحتلال صدام حسين للكويت عام 1990م ثم حرب تحريرها في السنة اللاحقة، وتداعيات الحرب العالمية على الإرهاب، وصولا إلى اجتياح أفغانستان وغزو العراق والربيع العربي، والتوتر والفوضى هما السمة الأبرز في الشرق الأوسط.
كنت أميل إلى البساطة في النظر للنظام العالمي، على اعتبار أن الدول تتوقع سلوك بعضها. قد يبدو السؤال في هذا السياق أقل تعقيدا من النقاشات الطويلة حول القطبية وتوازن القوى والمؤسسات الدولية، لكنه رغم بساطته يأخذنا في تقديري إلى لب المسألة. فحين تصبح تصرفات الدول قابلة للتوقع، وتعرف الحكومات حدود القوة وحدود الالتزام، ينشأ قدر من النظام حتى بين خصوم لا يثق أحدهم بالآخر، وحين تفقد هذه القدرة، يبدأ القلق مهما بقيت المؤسسات والمعاهدات قائمة.
بعد الحروب النابليونية عام 1815م، اجتمعت القوى الأوروبية المنهكة في فيينا وأعادت ترتيب القارة، ثم شرعت في بناء آليات تسمح لها بإدارة خلافاتها. تلك الترتيبات على قصورها أوجدت مساحة واسعة للتشاور وتوازن القوة. وكان من بين القرارات المهمة إعادة فرنسا تدريجيا إلى دائرة القوى الكبرى، بدلا من إبقائها دولة مهزومة خارج النظام تنتظر الفرصة للانتقام. استوقفني هذا الجانب من التجربة، فبناء النظام لا يكتمل بهزيمة الخصم، بل يتطلب إتاحة موقع يمكن أن يعود إليه بعد الهزيمة، وقاعدة يتمكن من العيش فيها من دون أن يكون خياره الوحيد هو تغييرها بالقوة.
ازدهرت التجارة في أوروبا بعد تلك الترتيبات واتسعت شبكات السكك الحديدية والتلغراف، وتداخلت المصالح المالية بين العواصم الأوروبية، واستمرت السفارات مفتوحة والمؤتمرات تعقد بصورة منتظمة. ومع ذلك، دخلت القارة الحرب في صيف 1914م بسرعة غير متوقعة. لم تقع الكارثة بسبب أن أوروبا فقدت الدبلوماسية، وإنما كانت المشكلة أعمق بكثير، فعلى مدى قرن من الزمان تغير ميزان القوة، واشتد سباق التسلح، وقويت التحالفات، وتزايد الشعور بالخوف من نوايا الآخرين، وأصبح لكل تحرك عسكري مبرره الأمني لدى صاحبه، وينظر إليه الطرف الآخر على أنه مصدر تهديد. وبعد الحرب العالمية الثانية نشأت الأمم المتحدة، وتأسست مؤسسات مالية واقتصادية جديدة، ووضعت قواعد أوسع لتنظيم العلاقات بين الدول استطاعت أن تتحمل عبء الحرب الباردة الذي أنهك العالم عقودا طويلة.
عرفت واشنطن وموسكو كخصمين خطورة كل منهما على الآخر، ومع الوقت والتوترات تحول الإدراك إلى قنوات اتصال مباشر بينهما، ثم جاءت اتفاقات الحد من التسلح وآليات التحقق والإنذار. لم يصبح البلدان صديقين، ولم تختف المنافسة بينهما، لكنهما أصبحا أكثر قدرة على قراءة بعضهما البعض. لم تبن أمريكا والاتحاد السوفيتي الثقة، فالدول لا تثق بحسن نوايا الآخرين، ولكنها كانت بحاجة إلى قدر من الاطمئنان إلى أن الالتزامات مفهومة، وأن الخطوط الحمراء معروفة، وأن الاتفاق يمكن التحقق منه، وأن تغير الحكومات لا يعني بالضرورة تغير قواعد اللعبة كلها. وأقول بأسف، إن تلك القدرة على التوقع تتراجع في العالم اليوم على نحو خطير.
كثير من الترتيبات الدولية متعددة الأطراف ومؤسساتها نشأ في منتصف القرن الماضي، وبينما تغير العالم من حولها بدرجة كبيرة، فإنه لم ينعكس في قواعد عملها. صعدت الصين لتصبح قوة عالمية كبرى، واتسع وزن الهند، واستعادت روسيا جانبا من قدرتها على التأثير، وأصبحت قوى متوسطة وصاعدة عديدة أكثر استقلالا في خياراتها، ولم تعد دول كثيرة مستعدة لترتيب علاقاتها وفق معسكر واحد، وببساطة فإن حركة القوة تدور عجلتها أسرع من حركة المؤسسات. ومكمن الخطر يتمثل في أنه عندما تشعر الدول بأن المؤسسات لم تعد توفر لها ما يكفي من الأمن، تبحث عن وسائل إضافية للحماية، ومن ذلك زيادة الإنفاق العسكري، وتوسيع تحالفاتها، وبناء قدراتها الذاتية. كل خطوة تبدو منطقية للدولة التي تتخذها، لكنها تضيف سببا جديدا لقلق الآخرين وبخاصة في جوارها، ومع تراكم قرارات الاستعداد للأسوأ يصبح العالم أقل قابلية للتوقع.
فهل دخل العالم مرحلة الفوضى الكاملة؟ الجواب السريع أننا لم ندخلها بعد، فما زال هناك قدر من النظام، وتدرك القوى الكبرى كلفة المواجهة المباشرة بينها، ولذلك تصفي حساباتها عن طريق الوكلاء أيا كانت تسمياتهم، وعلى أراض بعيدة عنها. لكنني أظن أننا نعيش مرحلة انتقالية صار فيها النظام القديم أقل قدرة على إدارة التحولات الجارية، بينما لم تتشكل قواعد بديلة لإدارة المتطلبات المقبلة.