د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
ضربت المنطقة مشاريع أيديولوجية، من أبرز هذه المشاريع مشروع الملالي عام 1979 تضخمت قوة هذا المشروع باحتلال أمريكا العراق عام 2003 وتقاسمه مع أمريكا ومحاولة الاستفراد به، تمكن مشروع الملالي من التمدد بعد ثورات ما يسمى بالربيع العربي التي ضربت المنطقة، كما كانت فرصة لتسلم الإخوان المسلمين في مصر أكبر بلد عربي، كذلك كانت فرصة لإيران باقتحام سوريا واليمن كمناطق جديدة لمحاصرة السعودية من العراق وسوريا ولبنان واليمن من الجنوب إلى جانب الحرب التي ضربت السودان وليبيا والقرن الأفريقي وغزة كلها حروب ساهمت في تهديد التنمية السعودية القوة الدافعة للنظام العالمي الجديد.
تبنت السعودية على يد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رؤية تنموية اقتصادية شاملة في 2016 مستثمرة موقعها ملتقى القارات، في تحويل هذا الموقع إلى رافعة اقتصادية وجيوسياسية عبر مبادرات واستثمارات كبرى، مما يجعلها مركزا عالميا للتجارة والخدمات اللوجستية، خلال السنوات الماضية تحولت هذه الرؤية إلى نموذج ملهم لبقية الدول بعدما تحولت سياسات التنمية والتطوير الداخلي في السعودية مرجعية إقليمية وعالمية في التخطيط المستدام، ولديها قدرة في قيادة الاستثمار والتكامل في سلاسل الإمداد، وقدرة في ربط أهداف رؤية السعودية بالاقتصاد الإقليمي والعالمي، خاصة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة النظيفة والصناعات العسكرية، وتحويل السعودية إلى مركز مالي واستثماري عالمي.
حتى أصبحت السعودية في قلب النظام العالمي الجديد، لما لديها قدرة في التركيز على الأمن الإقليمي كأولوية، وإقامة الشراكات الدفاعية طويلة الأمد، وما تملكه من نهج دبلوماسي يعتمد على الحضور والفاعلية في معالجة القضايا الإقليمية والدولية، ترمي إلى توسيع دائرة التعاون الدولي، وتعزيز التكامل الاقتصادي السعودي مع الاقتصادات المتقدمة، وهي طريق بين الصين والسوق الأوروبي، ولا تود الولايات المتحدة التخلف عن هذا الركب، بما ينعكس على نمو القطاعات الواعدة ورفع تنافسية السعودية عالميا.
بالطبع كانت السعودية جاهزة في تطوير البنية التحتية داخل السعودية عبر مشاريع ضخمة تستقطب المستثمرين، وهذه المشاريع مجتمعة تشكل منظومة متكاملة لإعادة تشكيل الاقتصاد السعودي وفق المعايير العالمية، ووفق منطق المستقبل لا الماضي، وعندما ترأست السعودية اجتماع المجلس الاقتصادي والاجتماعي لجامعة الدول العربية في دورته ال118 طالبت بتعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، ودعم مسارات التنمية، وتنمية التجارة البينية، بما يعزز فرص التكامل والنمو، وأهمية الانتقال من مرحلة التنسيق وتبادل الرؤى إلى التنفيذ وتحقيق نتائج ملموسة.
هناك تحولات جيوسياسية هائلة في المنطقة تشارك السعودية في إعادة هندستها وبشكل خاص في سوريا والسودان واليمن ولبنان رغم التكاليف العالية إلا أن السعودية تنظر إلى أن استعادة الاستقرار الطريق للتنمية والنمو من أجل تحويل المنطقة إلى شرق أوسط أوروبي جديد، خصوصا بعدما اتجهت أمريكا إلى تفكيك المشروع الإيراني والقضاء على أذرعه، كل هذه الأزمات أنتجت منطقا سعوديا فاعلا بل ومستقل، في عالم يتشكل على وقع تنافس القوى الكبرى وصعود الصين، تبدو الرياض قادرة على استخدام هذا التنافس لتعزيز مكانتها، حتى أصبحت قراراتها تحسب في أي قرار دولي مهم خصوصا إذا كان يتعلق بالمنطقة.
أصبح للسعودية موقع على الخريطة السياسية العالمية، فعلاقتها بالدول الكبرى متوازنا دون اصطفاف، لما لها من قدرة في توظيف مكانتها وثقلها الدبلوماسي والاقتصادي، فكما السعودية هي جزء من بنية التحول الاقتصادي الصيني هي كذلك مع الولايات المتحدة من أجل أن يمنح السعودية هامشا أوسع للحركة بين القوى الكبرى، أي أن السعودية تفاوض من موقع قوة متوازنة بين حسابات الأمن والاقتصاد، خصوصا بين بكين وواشنطن.
اقتنع العالم بأن السعودية قوة اقتصادية دافعة للنظام العالمي الجديد، فلم تعد تنظر أمريكا والصين وأوروبا إلى تقارير مراكز الأبحاث الدولية التي تود أن تفرض على السعودية سياسات تجاه ملفات كانضمام السعودية إلى ملف الاتفاقيات الإبراهيمية، لكن الدبلوماسية السعودية الهادئة أقنعت مراكز القرار في هذه الدول بعدم ربط أي اتفاق بمثل هذه الاتفاقيات الغير مقبولة لدى السعودية بحكم مكانتها الدينية، وبالفعل وقعت السعودية البرنامج النووي مع أمريكا بعيدا عن أي اتفاق جانبي أو حتى تكتيكي حتى تكون السعودية دولة واضحة، وبالفعل أدرك البيت الأبيض أن السعودية لم تعد تقبل الطلب مقابل المنحة، جسد هذه الرؤية لقاء سمو ولي العهد في لقائه بالرئيس الأمريكي في زيارته الأخيرة لواشنطن.
تدرك السعودية أن مشاريعها العملاقة التي تلتقي بالاقتصاد الإقليمي والعالمي، بحاجة إلى استقرار إقليمي مهما بلغت تكاليفه، ولا يمكن بناء مشاريعها على تسوية مجزأة تتجاهل جوهر الصراع في كل دولة على حدة.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا