د. عبدالمحسن الرحيمي
تشير دراسة منهجية منشورة في عام 2025، راجعت الدراسات التي تناولت ممارسات الحوكمة في مؤسسات التعليم العالي السعودية خلال الفترة من 2000 إلى 2025، إلى أن المستوى العام لتطبيق الحوكمة في مؤسسات التعليم العالي في المملكة لا يزال عند المستوى المتوسط، وأن الشفافية والمساءلة والاستقلالية المؤسسية جاءت ضمن الجوانب الأضعف نسبيًا في الممارسة، بينما ظهرت العدالة وتحسين الأداء والمشاركة في اتخاذ القرار بمستويات أفضل نسبيًا.
تأتي هذه النتيجة في مرحلة شهد فيها التعليم العالي السعودي تحولًا مهمًا في مفهوم الجامعة ودورها، فلم تعد الجامعة مؤسسة يقتصر دورها على التعليم والبحث العلمي، بل أصبحت مؤسسة معرفية واقتصادية تتقاطع أعمالها مع الابتكار والملكية الفكرية والشركات والاستثمار وبناء القدرات. ومع اتساع هذا الدور، أصبحت الحوكمة مرتبطة بقدرة الجامعة على إدارة مواردها واتخاذ قراراتها وبناء علاقاتها مع القطاعات الحكومية والخاصة بكفاءة ووضوح.
وتشير التجارب الدولية إلى أن استقلالية الجامعات ارتبطت بتوسيع صلاحياتها في القرارات الأكاديمية والإدارية والمالية، مقابل تعزيز المساءلة وضمان الجودة وقياس الأداء. وتصبح قيمة الاستقلالية أكبر عندما تمنح الجامعة القدرة على الاستجابة السريعة للفرص البحثية والاستثمارية، وإقامة الشراكات، وإدارة الملكية الفكرية، وتطوير مواردها، مع بقاء المسؤولية عن النتائج واضحة.
وتظهر أهمية ذلك بصورة أكبر عند النظر إلى العلاقة بين الجامعات وسوق الاستشارات. فالجهات الحكومية والخاصة تنفق مبالغ كبيرة على الدراسات والإستراتيجيات والخبرات المتخصصة، بينما تستعين الشركات الاستشارية نفسها في كثير من المشروعات بأعضاء هيئة التدريس والخبراء في الجامعات. وهنا تظهر مفارقة لافتة؛ فالخبرة موجودة داخل الجامعة، والقطاع يحتاج إليها، لكن الجامعة لا تكون دائمًا الطرف المؤسسي المباشر في تقديمها.
هذه المسألة لا تتعلق بمنافسة الشركات الاستشارية أو إحلال الجامعات محلها، فلكل طرف دوره، وإنما تتعلق بكيفية بناء علاقة أكثر فاعلية بين المعرفة الجامعية والاقتصاد. فالجامعة التي تمتلك آليات احترافية للتعاقد والاستشارات والملكية الفكرية ونقل التقنية تستطيع أن تجعل خبرات أعضاء هيئة التدريس والمختبرات ومراكز البحث جزءًا مباشرًا من المشروعات التي تحتاج إليها الجهات الحكومية والشركات، وأن تحول هذه العلاقة إلى مصدر للمعرفة والدخل والخبرة في الوقت نفسه.
وتكشف تجربة جامعة أكسفورد عن حجم الإمكانات التي يمكن أن تنتجها هذه العلاقة. فقد بلغ دخل البحث العلمي في الجامعة خلال العام المالي 2024–2025 نحو 801.3 مليون جنيه إسترليني، منها 142.2 مليون جنيه إسترليني من الصناعة، كما أبرمت الجامعة 7604 اتفاقيات مرتبطة بالبحث العلمي، وكان لديها 187 شركة منبثقة نشطة.
وفي العام نفسه جمعت الشركات التي دعمتها منظومة الابتكار في أكسفورد نحو 489.8 مليون جنيه إسترليني من الاستثمارات، فيما أبرمت المنظومة 1173 اتفاقية ترخيص و684 عقدًا استشاريًا، وتعاملت مع 546 عميلًا استشاريًا، وساعدت في تأسيس 19 شركة جديدة، إضافة إلى تسجيل 93 طلب براءة اختراع جديدًا.
المهم في تجربة أكسفورد ليس حجم الأرقام بحد ذاته، وإنما وجود منظومة مؤسسية تجعل انتقال المعرفة من الجامعة إلى السوق ممكنًا؛ فالبحث يمكن أن يتحول إلى تقنية، والتقنية إلى ترخيص أو شركة، والخبرة الأكاديمية إلى مشروع مع شركة أو جهة حكومية، والاستثمار الناتج عن ذلك يمكن أن يعود إلى منظومة البحث والابتكار وبناء القدرات.
وهذا يفتح مجالًا واسعًا أمام الجامعات السعودية، خصوصًا أن لديها قاعدة كبيرة من أعضاء هيئة التدريس والباحثين والمختبرات ومراكز الخبرة. فالاستفادة من هذه الموارد لا تقتصر على نشر الأبحاث، وإنما تمتد إلى المشروعات التطبيقية والاستشارات المتخصصة والشراكات الصناعية ونقل التقنية والشركات الناشئة. وعندما يشارك الطلاب والباحثون في هذه المشروعات، تتحول الشراكة من مصدر للدخل إلى وسيلة لاكتساب الخبرة وبناء القدرات وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد.
كما أن قدرة الجامعة على استقطاب الشركات ورؤوس الأموال ترتبط بدرجة كبيرة بوضوح بيئتها المؤسسية. فالشركة التي تبحث عن شريك جامعي تحتاج إلى وضوح في حقوق الملكية الفكرية، وآليات التعاقد، وسرعة اتخاذ القرار، وتوزيع العوائد، وإدارة المشروع، بينما يحتاج المستثمر إلى بيئة واضحة تحدد حقوق الجامعة والباحث والمستثمر وتتيح تحويل التقنية إلى مشروع قابل للنمو.
ومن هذه الزاوية تصبح الحوكمة أحد عناصر القدرة التنافسية للجامعة، لأنها تؤثر في قدرتها على تحويل رأس مالها العلمي والبشري إلى شراكات واستثمارات ومشروعات ذات أثر. فالجامعة التي تمتلك المعرفة ولا تستطيع الوصول بها إلى السوق تفقد جزءًا من قيمتها الاقتصادية، بينما تستطيع الجامعة التي تملك منظومة مؤسسية مرنة وشفافة أن تجعل المعرفة موردًا يتجدد أثره من خلال الشراكات والاستثمار.
كما أن قياس أداء الجامعة يمكن أن يعكس هذا التحول؛ فإلى جانب مؤشرات التعليم والبحث العلمي، تظهر مؤشرات أخرى ذات دلالة، مثل التمويل البحثي المستقطب من الصناعة، وقيمة العقود والشراكات، والتراخيص، والشركات المنبثقة، والاستثمارات التي تجذبها التقنيات الجامعية، ومدى مشاركة الطلاب والباحثين في المشروعات التطبيقية، والعوائد التي تعود إلى الجامعة لإعادة استثمارها في البحث والتطوير.
وتعيدنا هذه الصورة إلى نتيجة الدراسة السعودية المنشورة عام 2025؛ فالمستوى المتوسط للحوكمة، ولا سيما في جوانب الشفافية والمساءلة والاستقلالية المؤسسية، يمثل مجالًا مهمًا للتطوير في وقت أصبحت فيه الجامعة جزءًا من منظومة اقتصادية أوسع. ومع تطور البيئة النظامية للجامعات، يصبح أثر الحوكمة أكثر وضوحًا عندما يقاس بقدرة الجامعة على اتخاذ القرار، وإدارة مواردها، وبناء الشراكات، واستقطاب الشركات ورؤوس الأموال، والاستفادة من خبرات أعضاء هيئة التدريس، وتحويل المعرفة إلى قيمة.
وفي هذا السياق، تبدو استقلالية الجامعة أكثر ارتباطًا بالقدرة على الحركة منها بمجرد نقل الصلاحيات؛ فالمؤسسة المستقلة تحتاج إلى قدرات مؤسسية تساند هذه الاستقلالية، تشمل الخبرات المالية والقانونية والاستثمارية، وإدارة الملكية الفكرية، ونقل التقنية، والتعاقد، وبناء الشراكات، وإدارة المخاطر، بحيث تكون الجامعة قادرة على التعامل مع الفرص التي يتيحها اقتصاد المعرفة.
إن الجامعات السعودية تمتلك عناصر مهمة تؤهلها للقيام بهذا الدور؛ من العلماء والباحثين إلى المختبرات ومراكز البحث والطلاب والشراكات الدولية، كما أن التحول الذي يشهده الاقتصاد السعودي يفتح مساحة واسعة أمام المعرفة الجامعية. وتبقى قيمة هذه الموارد مرتبطة بقدرة المؤسسة على تنظيمها وربطها بالاحتياج الفعلي في الاقتصاد والمجتمع.
ومن هنا يمكن النظر إلى الحوكمة باعتبارها أكثر من نظام لتوزيع السلطة داخل الجامعة؛ إنها البيئة التي تحدد قدرة الجامعة على استخدام مواردها ومعرفتها، وبناء علاقاتها، واستثمار الفرص، وتحمل مسؤولية النتائج. وكلما اتضحت الصلاحيات، وارتفعت الشفافية، وأصبحت المساءلة مرتبطة بالأداء، واتسعت القدرة على اتخاذ القرار، ازدادت فرص الجامعة في أن تكون شريكًا فاعلًا للشركات والجهات الحكومية والمستثمرين.
فالجامعة في اقتصاد المعرفة لا تقاس فقط بما تنتجه من خريجين وأبحاث، وإنما أيضًا بما تستطيع أن تحوله من معرفة إلى تطبيق، ومن تطبيق إلى شراكة، ومن شراكة إلى استثمار، ومن استثمار إلى قدرات جديدة. وعندما تتكامل هذه الحلقة، تصبح الجامعة مصدرًا للمعرفة والدخل والابتكار في آن واحد، ويصبح رأس مالها البشري والعلمي أحد أهم أصول الاقتصاد الوطني.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للحوكمة؛ أن تمنح الجامعة القدرة على تحويل ما تملكه من معرفة وخبرات وموارد إلى أثر قابل للقياس، وأن تجعلها شريكًا في صناعة الاقتصاد المعرفي، لا مجرد مؤسسة تعمل داخله.