سلطان بن نايف الحربي
عندما يقرر نظام تعليمي أن يضع طلابه أمام اختبار دولي مثل «PISA»؛ فإنّه لا يدخل سباقًا في النقاط والترتيب بقدر ما يقبل أن تقاس قدرته على تحويل ما يحدث داخل المدرسة إلى معرفة يستطيع الطالب استخدامها خارجها، ومن هنا يمكن قراءة مشاركة المملكة الأولى في 2018 بوصفها بداية خط زمني لا مجرد ظهور جديد في الجداول الدولية، وبعد ثلاث دورات صار ممكنا أن نسأل سؤالًا أكثر نضجًا هل يتحرك التعليم السعودي فعلًا نحو نوع التعلم الذي تتطلع إليه السياسات الحديثة؛ تعلم يقوم على الفهم والاستدلال وحل المشكلات؟
من الإنصاف أن نبدأ قراءة نتائج 2025 فمن أبرز ما تحقق فيها: قفزة العلوم، فقد بلغ متوسط الطلاب السعوديين 413 نقطة، بزيادة 23 نقطة عن 2022؛ بينما انخفض متوسط OECD في الفترة نفسها ثلاث نقاط، كما تؤكد المنظمة أنّ أداء السعودية قد تحسن بصورةٍ دالّة إحصائيًا مقارنة بعام 2018، وأنَّ نسبة الطلاب دون الحد الأدنى للكفاية العلمية انخفضت منذ ذلك العام بمقدار 13 نقطة مئوية، وهذا اتجاه إيجابي يستحق الثناء؛ والنقد الذي يتجاهل التقدم لا يقل اختلالًا عن الاحتفاء الذي يتجاهل المسافة المتبقية.
وتزداد أهمية النتيجة عندما ننظر إلى من استفاد من هذا التحسن، فقد ضاقت منذ 2018 الفجوة في العلوم بين الربع الأعلى والأدنى اجتماعيًا واقتصاديًا؛ لأنَّ أداء الطلاب الأقل حظًا تحسن؛ بينما بقي أداء الأكثر حظًا مستقرًا نوعا ما. كما بلغت الفجوة بين الفئتين في 2025 نحو 47 نقطة، مقابل 85 نقطة في متوسط OECD، ومع ذلك اتسعت بين 2022 و2025 الفجوة بين أعلى 10 في المائة وأدنى 10 في المائة من حيث الأداء في العلوم، وهذه مفارقة تربوية مهمة يمكن من خلالها أن يتحسن الإنصاف الاجتماعي، بينما يبقى تفاوت التحصيل نفسه بحاجة إلى معالجة.
ويكتسب هذا المسار معنى أكبر إذا قرأناه في ضوء برنامج تنمية القدرات البشرية الذي يضع ضمن أولوياته بناء مهارات القرن الحادي والعشرين، وتنمية عقلية التطوير الذاتي، وإكساب المتعلم المهارات اللازمة لفرص المستقبل والثورة الصناعية الرابعة، مع دعم تقنيات التعلم والمحتوى، وإتاحة التعلم عن بعد؛ لكنَّ القيمة الحقيقة للمقارنة ليست في القول إنَّ الإستراتيجية سببت نتيجة «PISA» فهذا لا تثبته البيانات؛ وإنما في سؤالٍ آخر: إلى أي مدى اقترب الأداء الفعلي للطالب من صورة المتعلم التي تريدها الإستراتيجية؟
ومن هذه الزاوية تبدو قفزة العلوم مؤشرًا مشجعًا؛ بينما تكشف القراءة والرياضيات أنَّ المسار لم يتحرك بالسرعة نفسها في جميع المجالات؛ فقد بقي أداؤهما في 2025 قريبًا من 2022 في حين كان التحسن الواضح متركزا في العلوم.
وهنا يبدأ النقد الأكاديمي من داخل الإنجاز، ففي العلوم بلغ من وصلوا إلى المستوى 2 فأعلى 51 في المائة بينما بقي 49.2 دون هذا المستوى، ولم تتجاوز نسبة من وصلوا إلى المستوى 5 أو 6 نحو0.4 في المائة وهذا يعني أنَّ المرحلة التالية لا ينبغي أن تكتفي برفع المتوسط؛ بل بتوسيع دائرة الكفاية، وصناعة مستويات أعلى من التفكير العلمي، وتمنحنا دراسة محكمة لكتب العلوم السعودية سببًا إضافيًا لهذا السؤال؛ إذ وجدت أن 55 في المائة من المحتوى المصنف يتركز في المعرفة العلمية، مقابل 28 في المائة للكفايات و17 في المائة للسياقات والتطبيقات كما لم يمثل تقييم وتصميم الاستقصاء العلمي سوى 11 في المائة من الكفايات المرصودة. ولا تثبت هذه النتائج سبب أداء «PISA»؛ لكنها تشير إلى مساحةٍ يمكن أن يتعمق فيها التعلم: الانتقال من معرفة المعلومة إلى اختبارها وتفسيرها واستخدامها.
واتساقًا مع ما سبق، ينبغي أن يتغير سؤالنا عن التعليم الإلكتروني، فالمملكة لا تبدأ من فراغ فوزارة التعليم توفر «مدرستي» بوصفها منصة لإدارة التعلم الإلكتروني كما أنها تتيح للطلاب حزمة OFFICE 365 EDUCATION التي تشمل: MICROSOFT TEAMS, ONENOTE, POWERPOINT, EXCEL, WORD إلى جانب محتوى موارد عين، وتظهر وثائق الوزارة أنَّ بيئة «مدرستي» نفسها تتيح أدوات للتقويم، والمهام الأدائية، والتعاون، واستخدام تطبيقات مايكروسوفت؛ ولذلك؛ فالتحدي يكمن في اكتشاف ما نملكه وتوجيه الطالب إلى استخدامه في التعلم الحقيقي: تحليل بيانات تجربة، بناء عرض يستند إلى الأدلة، تنظيم المعرفة، العمل التعاوني، والبحث والتحقق من المصادر. فالمنصة لا تصبح تعليمًا لمجرد أنَّ الواجب انتقل إليها.
وبالتالي؛ فإن ذلك يقودنا إلى المعلم. فإذا كان نوع التعلم المطلوب يتغير؛ فإنَّ تجديد الأدوات وحدها لا يكفي؛ بل يستلزم ذلك تجديد القوة البشرية أيضا من دون التفريط في رأس المال المهني المتراكم، وتشير نتائج«TALIS 2024» إلى أنَّ 91 في المائة من المعلمين حديثي التخرج في السعودية أفادوا بأنَّ إعدادهم قد هيأهم جيدًا لاستخدام الموارد والأدوات الرقمية؛ وفي الوقت نفسه يعمل 89 في المائة من المعلمين المبتدئين في مدارس تتوافر فيها بعض برامج الإرشاد لكن 17 في المائة فقط من خمس سنوات من الخدمة أو أقل لديهم مرشد معين لهم، وهذه الفجوة بين وجود البرنامج، ووصول الإرشاد بصورة مباشرة إلى المعلم الجديد تستحق الانتباه. وبناء على ذلك؛ فإن ما نحتاجه ليس المفاضلة بين الشباب والخبرة، بل تجديدًا إستراتيجيًا للقوة التعليمية: استقطاب خريجين أكفاء، وتهيئتهم مهنيًا، وربطهم بمعلمين خبراء بحيث يدخل إلى المدرسة تكوين حديث ولا تغادرها الخبرة قبل أن تنقل معرفتها، وتؤكد OECD أهمية الإرشاد المهني في مساعدة المعلم المبتدئ على الانتقال من الإعداد النظري إلى واقع الصف بصورة أفضل.
لقد أثبت مسار «PISA» منذ 2018 أنَ الحركة ممكنة، وأنَّ قفزة العلوم تستحق أنْ تُقرأ بوصفها تقدمًا حقيقيًا؛ لكن قيمتها الأكبر تبدأ حين تتحول من خبرٍ عن تحسُّن النتيجة إلى سؤالٍ عن كيفية توسيع هذا التّحسن، وتعميقه، ونقله إلى بقية مجالات التعلم. فالطَّموح ليس أنْ يعتاد الطالب اختبار «PISA» بل بأنْ يمتلك القدرة التي جاء الاختبار ليقيسها: أنْ يفهم، يحلل، يتحقق، ويستخدم معرفته عندما تواجهه مسألة لم يرها من قبل.
* * *
المراجع:
OECD. PISA 2025 Results – Saudi Arabia Country Note.
https://www.oecd.org/en/publications/pisa-2025-results-volume-i-country-notes_2d4ff9ea-en/saudi-arabia_5948545b-en.html
Saudi Vision 2030. Human Capability Development Program – Delivery Plan 2021–2025.
https://www.vision2030.gov.sa/media/pgid4z3t/2021-2025-human-capability-development-program-delivery-plan-en.pdf
Alotaibi, W. H., الجزيرة Alghamdi, A. K. H. (2025). Saudi secondary school science textbooks’ ability to inculcate a PISA-Informed Scientific Identity. PLOS ONE, 20(10), e0325542.
https://doi.org/10.1371/journal.pone.0325542
OECD. Results from TALIS 2024 – Saudi Arabia Country Note.
https://www.oecd.org/en/publications/results-from-talis-2024-country-notes_e127f9e2-en/saudi-arabia_c6843089-en.html
OECD. Results from TALIS 2024 – Executive Summary.
https://www.oecd.org/en/publications/results-from-talis-2024_90df6235-en/full-report/executive-summary_87201a9d.html
6- وزارة التعليم. الخدمات والبرامج المجانية والموارد الرقمية التعليمية.
https://www.moe.gov.sa/en/knowledgecenter/eservices/pages/freeservicesandprograms.aspx