«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
في سياق الشراكة الإستراتيجية المتنامية بين الرياض وبكين، بحثت ندوة إعلامية صينية سعودية في جدة آفاق توسيع التعاون في مجالات الحوكمة والتنمية والإعلام، وتبادل الخبرات والتجارب، مستعرضةً مبادرة الحوكمة العالمية وصلتها بمستهدفات رؤية السعودية 2030، إلى جانب نتائج زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، ودور التواصل بين قيادتي البلدين في دعم مسارات التعاون.
وشهدت الندوة عرض مواد مرئية تناولت زيارة الرئيس الصيني إلى مصر، إلى جانب الاتصال الهاتفي بين الرئيس شي جين بينغ وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، بما عكس استمرار التشاور والتنسيق بين قيادتي البلدين، وأهمية هذا التواصل في دفع الشراكة السعودية الصينية نحو مجالات أوسع.
ونظمت الندوة القنصلية العامة لجمهورية الصين الشعبية في جدة، بالتعاون مع فرع وكالة أنباء «شينخوا» في المملكة العربية السعودية واتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي «يونا»، بمشاركة ممثلين عن المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام السعودية والصينية.
وحضر الندوة القنصل العام الصيني في جدة يانغ يي، ومدير عام فرع وزارة الإعلام بمنطقة مكة المكرمة عبدالخالق بن عبدالله الزهراني، ومدير مكتب «شينخوا» في الرياض وانغ هايتشو، إلى جانب ممثلين عن «يونا» وعدد من الإعلاميين وممثلي وسائل الإعلام السعودية.
السعودية.. شريك محوري في الرؤية الصينية
وتبرز المملكة في العلاقات الصينية بوصفها شريكًا محوريًا في العالم العربي ومنطقة الخليج، بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي واستثماري، وموقع إستراتيجي، ودور مؤثر في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، فضلًا عن حضورها المتنامي في التحولات الإقليمية والدولية.
وتجاوزت العلاقات السعودية الصينية خلال السنوات الأخيرة نطاق التعاون الاقتصادي التقليدي إلى شراكة أوسع تشمل السياسة والاستثمار والطاقة والتقنية والبنية التحتية والثقافة والإعلام، فيما توفر رؤية السعودية 2030 ومبادرة الحزام والطريق أرضية واسعة لتكامل المصالح والخبرات.
وتمنح هذه الشراكة الصين فرصًا أوسع للتعاون مع المملكة بوصفها شريكًا رئيسيًا في المنطقة، فيما تتيح للمملكة الاستفادة من الخبرات والقدرات الصينية في التصنيع والتقنية والبنية التحتية وسلاسل الإمداد والاستثمار والاقتصاد الرقمي.
الحوكمة.. من تبادل التجارب إلى تبادل المعرفة
وأكد القنصل العام الصيني في جدة يانغ يي أن التطبيق الناجح للتحديث صيني النمط أتاح خيارًا جديدًا للتنمية أمام الدول النامية، مشيرًا إلى أن المملكة تستكشف بدورها مسارًا تنمويًا يتناسب مع ظروفها واحتياجاتها الوطنية.
وأوضح أن تعمق الثقة الإستراتيجية بين السعودية والصين يوسع مجالات تبادل الخبرات والأفكار في الحوكمة الوطنية والتحول الأخضر والاقتصاد الرقمي وغيرها من مجالات التنمية الحديثة.
وأكدت المناقشات أن الاستفادة من التجربة الصينية لا تعني استنساخ نموذج جاهز، وإنما التعرف إلى أدوات وممارسات يمكن الإفادة منها، بالتوازي مع التجربة السعودية المتسارعة في تنفيذ رؤية 2030؛ بما يجعل العلاقة أقرب إلى تبادل المعرفة والحلول والخبرات، وفق خصوصية كل دولة وأولوياتها التنموية.
وتناولت الندوة القيمة المعاصرة للخبرة الصينية في الحوكمة العالمية، ومدى توافقها مع رؤية السعودية 2030، ومسؤولية الإعلام السعودي والصيني في التعريف بالتجارب التنموية وتعزيز الفهم المتبادل.
كتابان.. نافذة على الحكم والإدارة الصينية
وفي إطار تعزيز التواصل المعرفي، شهدت الندوة توزيع كتابين باللغة العربية هما «حوكمة الصين تحت قيادة شي جين بينغ» و«شي جين بينغ حول الحكم والإدارة - المجلد الخامس»، بما أتاح للمشاركين الاطلاع على جوانب من الرؤى والسياسات والممارسات الصينية في الحكم والإدارة والتنمية.
وتتجاوز أهمية الكتابين الجانب الثقافي إلى توفير نافذة معرفية مباشرة أمام القارئ العربي للتعرف إلى التجربة الصينية، وفتح مساحة أوسع للحوار حول الحوكمة والتنمية والإدارة العامة، خصوصًا في ظل التحولات التي تشهدها المملكة ضمن رؤية 2030.
وأوضح أشرف الحيدري، مدير العلاقات الدولية في اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي، أن كتاب «حوكمة الصين تحت قيادة شي جين بينغ» يمثل نافذة مهمة أمام الدول العربية والعالم الإسلامي لفهم فلسفة التنمية الصينية وتجربة التحديث صيني النمط، ويفتح المجال أمام مزيد من التبادل والتعلم المتبادل بين الحضارات.
من القاهرة إلى الرياض.. شراكات عربية تتوسع
وتناولت الندوة نتائج زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، باعتبارها نموذجًا لتطور الشراكات الصينية العربية من التجارة والاستثمار إلى البنية التحتية والتصنيع والطاقة والتقنيات الحديثة والمناطق الاقتصادية واللوجستية.
وبرزت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نموذجًا للتعاون الصيني المصري، بما تجمعه من استثمارات صناعية ولوجستية وموقع إستراتيجي في حركة التجارة العالمية، فيما تفتح مجالات الاقتصاد الرقمي والتقنيات المتقدمة والطاقة النظيفة مساحات جديدة للتعاون الصيني العربي.
وفي السياق السعودي، برزت مجالات التخطيط التنموي وإدارة المشاريع الكبرى والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والمدن الذكية والطاقة وتنويع الاقتصاد، بوصفها مساحات واعدة لتبادل الخبرات؛ فالصين تمتلك خبرة واسعة في التصنيع والبنية التحتية والتخطيط طويل المدى، بينما تقدم المملكة تجربة متسارعة في تنويع الاقتصاد والحكومة الرقمية وإدارة المشاريع الوطنية الكبرى.
الإعلام.. جسر جديد بين الرياض وبكين
وأكد ممثلو «شينخوا» أهمية تعزيز التعاون المباشر بين المؤسسات الإعلامية السعودية والصينية عبر تبادل الزيارات والخبرات والمحتوى، وتطوير برامج التدريب والتأهيل، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة في صناعة الإعلام.
كما أكد اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي دعمه لتعزيز التعاون بين وكالات الأنباء ووسائل الإعلام السعودية والصينية، بما يفتح جسورًا أوسع بين المملكة والصين والعالم الإسلامي.
وناقشت الندوة كذلك رواية القصص السعودية الصينية عبر وسائل الإعلام والمنصات الشخصية، انطلاقًا من أن التقارب بين الشعوب لا تصنعه الاتفاقيات وحدها، وإنما تعززه معرفة المجتمعات بتجارب بعضها بعضًا وقصصها الإنسانية، بما يمنح الإعلام دورًا يتجاوز نقل الخبر إلى بناء المعرفة والثقة.
واختتمت أعمال الندوة بمناقشة آليات التمكين التقني وابتكار مسارات أكثر انتظامًا للتعاون الإعلامي، تشمل تبادل الخبرات والمحتوى والزيارات والبرامج التدريبية، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة.
وعكست الندوة بذلك اتساع نطاق الشراكة السعودية الصينية من تبادل المصالح إلى تبادل المعرفة والخبرات، ومن الاقتصاد والتجارة إلى الحوكمة والتنمية والتقنية والإعلام والثقافة.
ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة في ضوء استمرار التواصل بين الأمير محمد بن سلمان والرئيس شي جين بينغ، بما يعكس مستوى الثقة والتنسيق بين البلدين، ويهيئ أرضية لمزيد من التعاون في المجالات التي تخدم المصالح المشتركة وتدعم التنمية في البلدين.
وبذلك تتجه العلاقة السعودية الصينية نحو مرحلة أكثر شمولًا، لا تقوم فقط على التجارة والاستثمار، وإنما على شراكة في المصالح والمعرفة والخبرة، بما يعزز جسور التفاهم بين الرياض وبكين، ويفتح آفاقًا أوسع للتعاون المستقبلي.
مدير عام فرع وزارة الإعلام بمنطقة مكة المكرمة عبدالخالق بن عبدالله الزهراني والقنصل العام الصيني في جدة يانغ يي خلال الندوة الإعلامية الصينية السعودية بجدة