صبحي شبانة
دخلت حرب الناقلات بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة باتت تهدد مباشرة سوق الطاقة العالمي، وتنذر، إذا استمرت واتسعت، باضطراب قد يتجاوز أسواق النفط والغاز ليطال حركة التجارة وسلاسل الإمداد والصناعة والنقل، وربما يشل أجزاء واسعة من الاقتصاد العالمي.
فالمواجهة التي بدأت في مياه الخليج لم تعد مجرد اشتباك عسكري بين طرفين، ولم يعد استهداف ناقلة نفط حدثًا عابرًا في حرب مفتوحة، وإنما أصبح تهديدًا مباشرًا لأحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، في منطقة ترتبط بها نسبة كبيرة من إمدادات النفط العالمية. ومع اقتراب أسعار النفط من حاجز المائة دولار للبرميل، وتراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، تبدو الأسواق أمام سؤال أخطر من مجرد ارتفاع الأسعار: ماذا سيحدث إذا تحولت حرب الناقلات من عمليات متبادلة إلى حرب مفتوحة على حركة الطاقة نفسها؟
إن خطورة اللحظة الراهنة لا تكمن فقط في عدد الناقلات التي جرى استهدافها، وإنما في احتمال أن تتحول الملاحة التجارية إلى ساحة دائمة للصراع، وأن يصبح عبور الناقلة قرارًا محفوفًا بالمخاطر، بما يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويؤخر وصول النفط إلى الأسواق، ويدفع الشركات والدول إلى البحث عن طرق بديلة أكثر كلفة وأقل قدرة على استيعاب التدفقات.
وحين تتعرض حركة الطاقة العالمية للاختناق، فإن تداعيات ذلك لا تتوقف عند محطات الوقود، وإنما تمتد سريعًا إلى المصانع والطائرات والسفن وشاحنات النقل وأسعار الغذاء، لتتحول أزمة الطاقة إلى أزمة تضخم ونمو واستقرار اقتصادي عالمي. وهنا تحديدًا تبدأ الأسئلة الكبرى: كم ناقلة دُمرت أو أُصيبت حتى الآن؟ وكم برميلًا من النفط فقدته الأسواق أو تعذر وصوله إليها؟ وهل تستطيع الدول المنتجة تعويض أي نقص طويل الأمد؟ وإلى أي مستوى يمكن أن تقفز أسعار النفط إذا اتسعت دائرة الاستهداف؟ وماذا يحدث للاقتصاد العالمي إذا تجاوزت الحرب حاجز المضيق ووصلت إلى الموانئ والمصافي وخطوط الأنابيب ومنشآت الطاقة؟ والأهم من ذلك كله: هل تستطيع الولايات المتحدة وإيران خوض حرب الناقلات دون أن تتحول في لحظة ما إلى حرب على الاقتصاد العالمي نفسه؟
أعلنت الولايات المتحدة حتى الآن تدمير خمس ناقلات نفط إيرانية في أحدث جولات التصعيد، بعدما كانت قد استهدفت ثلاث ناقلات أخرى قبل أيام، ليرتفع العدد إلى ثماني ناقلات إيرانية بين مدمرة ومتضررة، وفق ما أعلنته واشنطن. وتقول الإدارة الأمريكية إن هذه السفن كانت جزءًا من شبكة ظل تستخدم لتمويل الحرس الثوري الإيراني ووكلائه، وإن استهدافها جاء في إطار الرد على الهجمات الإيرانية ضد سفن حربية أمريكية. لكن طهران لم تتعامل مع الضربات باعتبارها عمليات محدودة تستهدف سفنًا بعينها، وإنما وسعت نطاق الرد ليشمل حركة الملاحة نفسها، معلنة مهاجمة عشر سفن في مضيق هرمز، بينها سفينتان أمريكيتان وثماني ناقلات نفط، في تطور يكشف أن المواجهة البحرية بدأت تنتقل من استهداف الأصول المرتبطة بالخصم إلى اختبار القدرة على تهديد أحد أهم شرايين التجارة والطاقة في العالم.
وهنا تتجلى الخطورة الحقيقية لـ«حرب الناقلات»، فهي لا تدور في جوهرها حول السفن التي تصاب أو تغرق، بقدر ما تدور حول الثقة في الطريق الذي تسلكه تلك السفن. فالناقلة التي تحمل النفط قد تكون في الحسابات العسكرية هدفًا للخصم، لكنها في الحسابات الاقتصادية جزء من سلسلة إمداد عالمية تبدأ من حقول الإنتاج ولا تنتهي إلا عند المصانع ومحطات الوقود والمطارات. وإذا أصبح العبور عبر مضيق هرمز محفوفًا باحتمالات الاستهداف، فلن تحتاج إيران إلى إعلان إغلاق المضيق حتى تحقق أثرًا اقتصاديًا بالغًا؛ يكفي أن ترتفع المخاطر إلى الحد الذي يدفع شركات الملاحة إلى إعادة حساباتها، وشركات التأمين إلى رفع أقساطها، والمستوردين إلى البحث عن مسارات بديلة، حتى يتحول المضيق من ممر مفتوح إلى نقطة اختناق اقتصادية، ويصبح كل برميل نفط يعبره محملًا بعلاوة مخاطر جديدة.
وهذا التحول بدأ يترك أثره على حركة الملاحة نفسها، إذ لم يعد الخوف من العبور مجرد احتمال تتحدث عنه الأسواق، بل بدأ يظهر في أرقام السفن التي تعبر المضيق. فقد عبرت ست سفن للسلع مضيق هرمز يوم الثلاثاء قبل الماضي، مقابل تسع سفن في اليوم السابق، فيما بلغ متوسط العبور خلال الأيام العشرة الأخيرة نحو اثنتي عشرة سفينة يوميًا، بينما شهدت عطلة نهاية الأسبوع تراجعًا أكبر، مع مرور خمس سفن فقط يوم السبت وعدم تسجيل عبور لسفن السلع يوم الأحد، وفق بيانات تتبع الملاحة. وقد لا تعني هذه الأرقام أن المضيق أصبح مغلقًا، لكنها تحمل دلالة أكثر أهمية؛ فالمضيق المفتوح نظريًا يمكن أن يصبح شبه مغلق اقتصاديًا إذا أصبحت شركات النقل ترى أن مخاطر العبور تفوق عوائده، وعندها لا يكون الصاروخ الذي يصيب ناقلة هو وحده سلاح الحرب، بل يصبح الخوف من الصاروخ سلاحًا قائمًا بذاته، قادرًا علىإبطاء تدفق الطاقة وإعادة تشكيل حسابات السوق العالمية.
والأخطر أن نطاق الخطر بدأ يتجاوز الناقلات الإيرانية. ففي الأول من سبتمبر تعرضت ناقلتان عملاقتان تحملان النفط السعودي لهجمات أثناء خروجهما من مضيق هرمز، وكانت كل واحدة منهما تحمل نحو مليوني برميل من الخام السعودي. وإذا تكررت مثل هذه الحوادث، فإن المواجهة ستنتقل إلى مستوى مختلف تمامًا، لأن السوق لن تعود تنظر إليها باعتبارها صراعًا أمريكيًا إيرانيًا محدودًا، وإنما باعتبارها تهديدًا عامًا لحركة صادرات الخليج، بما تحمله من تداعيات على الدول المنتجة والمستهلكة على السواء.
ومضيق هرمز تحديدًا هو نقطة الضعف الأكبر في هذه المعادلة، فهو ليس مجرد ممر مائي بين الخليج العربي وخليج عمان، وإنما بوابة رئيسية لصادرات الطاقة من المنطقة إلى الأسواق العالمية، ولذلك فإن أي اضطراب مستمر فيه يضيف فورًا علاوة مخاطر إلى أسعار النفط. ومع تصاعد الهجمات، اقترب خام برنت من حاجز المائة دولار للبرميل، فيما تجاوز في بعض التداولات مستوى 99 دولارًا، وهو ارتفاع لا يعكس فقط نقصًا فعليًا في المعروض، وإنما يعكس كذلك خوف الأسواق من نقص أكبر إذا طال أمد الأزمة واتسعت رقعة الاستهداف.
لكن لماذا لم تنفلت الأسعار بصورة أكبر حتى الآن؟ لأن السوق العالمية لا تعتمد على هرمز وحده في توفير كل برميل، ولأن بعض الدول تستطيع استخدام موانئ وخطوط أنابيب ومسارات بديلة، كما أن نمو الإنتاج خارج المنطقة يوفر قدرًا من الحماية، إضافة إلى ضعف نسبي في الطلب العالمي. والصين نفسها، التي تمثل أحد أكبر مراكز الطلب على النفط، تتجه في 2026 إلى انخفاض في استهلاك النفط، وهو عامل يخفف بعض الضغوط على الأسعار في وقت تتعرض فيه الإمدادات لمخاطر جيوسياسية متزايدة.
لكن هذه الهوامش ليست مفتوحة إلى ما لا نهاية. فإذا استمرت الهجمات وأصبحت حركة الناقلات عبر هرمز أكثر صعوبة، فإن المشكلة لن تعود مرتبطة بعدد البراميل المتاحة فقط، وإنما بتكلفة وصولها إلى المستهلك. فارتفاع التأمين والشحن، وتأخر الرحلات، وتغيير المسارات، وصعوبة حصول بعض المصافي على أنواع محددة من الخام، كلها تكاليف تنتقل في النهاية إلى المستهلك، وتظهر في أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات، ثم تمتد إلى مختلف السلع والخدمات.
وهنا يتحول النفط من سلعة استراتيجية إلى قوة تضخمية تضرب الاقتصاد من أكثر من اتجاه. ارتفاع أسعار الوقود يرفع تكلفة النقل، وارتفاع النقل يرفع تكلفة الغذاء والسلع، وارتفاع الطاقة يزيد تكلفة الإنتاج، فتجد الحكومات نفسها أمام موجة تضخمية جديدة في وقت تحاول فيه الاقتصادات العالمية الحفاظ على النمو. وقد بدأت الأسواق بالفعل تتعامل مع اقتراب النفط من المائة دولار باعتباره عاملًا يمكن أن يؤثر في شهية المستثمرين وفي توقعات السياسة النقدية.
وفي هذه النقطة تحديدًا تكمن المفارقة الأمريكية الإيرانية. واشنطن تريد خنق صادرات النفط الإيرانية وتجفيف مصادر تمويل الحرس الثوري، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع السماح بانهيار تدفقات النفط العالمية، لأن ارتفاع الأسعار بصورة حادة سيضر بالحلفاء والمستهلكين والاقتصاد الأمريكي نفسه. أما إيران فتملك ورقة مختلفة؛ إذ تستطيع استخدام قدرتها على تهديد الملاحة لرفع تكلفة الطاقة العالمية حتى لو لم تتمكن من إيقاف صادرات الخليج بالكامل. وهكذا يتحول مضيق هرمز إلى أداة ضغط متبادلة، فكلما ارتفع مستوى التهديد، ارتفعت تكلفة الطاقة، وكلما ارتفعت التكلفة اتسعت الضغوط الاقتصادية والسياسية على أطراف الصراع.
لكن الخطر الحقيقي يبدأ إذا خرجت المواجهة من البحر إلى البنية التحتية للطاقة. فاستهداف الناقلات يمكن أن يكون مقدمة لاستهداف الموانئ ومحطات التصدير والمصافي وخطوط الأنابيب، وعندها لن تكون المشكلة في النقل فقط، بل في القدرة على إنتاج النفط وتخزينه وتكريره وتصديره. كما أن اتساع الهجمات في البحر الأحمر وباب المندب يضيف طبقة أخرى من المخاطر إلى شبكة التجارة العالمية، ويعني أن أكثر من ممر بحري استراتيجي يمكن أن يتحول إلى نقطة ضغط في الوقت نفسه.
وهنا يمكن أن تتشكل أخطر معادلة في هذه الحرب: أن تتحول المخاطر البحرية إلى صدمة اقتصادية متصاعدة، فكل تراجع في حركة السفن يرفع كلفة النقل والتأمين، وكل زيادة في الكلفة تضغط على أسعار الطاقة والسلع، وكل ارتفاع في الأسعار يفاقم مخاوف التضخم ويضعف النمو، وكل تصعيد عسكري جديد يدفع الأسواق إلى تسعير خطر أكبر. وبذلك يصبح الخوف نفسه جزءًا من الأزمة، حتى قبل أن يتحول الخطر المحتمل إلى نقص فعلي في الإمدادات.
والسؤال الآن ليس فقط: كم ناقلة ستتوقف أو تتعرض للهجوم؟ وإنما: كم من الوقت يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل هذه الحالة؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة وإيران وضع حدود واضحة لحرب الناقلات قبل أن تتحول إلى حرب على الملاحة الدولية؟ وماذا ستفعل ا لدول الآسيوية والأوروبية إذا أصبحت صادرات الخليج مهددة بصورة مستمرة؟ وهل ستتجه الدول المستوردة إلى استخدام مخزوناتها الاستراتيجية، أم تبدأ في إعادة بناء سياساتها النفطية على أساس أن أمن الخليج لم يعد مضمونًا؟ والأهم، هل تدرك أطراف الصراع أن استمرار الضغط على حركة الطاقة قد يؤدي في النهاية إلى نتيجة لا يريدها أي طرف، وهي انتقال الحرب من مواجهة إقليمية إلى أزمة اقتصادية عالمية يصعب احتواء تداعياتها؟
إن أخطر ما في حرب الناقلات أنها لا تحتاج إلى إغراق كل السفن حتى تحقق تأثيرها، ولا تحتاج إلى إغلاق هرمز رسميًا حتى تخلق أزمة طاقة. يكفي أن يصبح العبور محفوفًا بالخطر، وأن تفقد شركات الملاحة الثقة في الطريق، وأن ترتفع تكلفة التأمين والنقل، حتى يبدأ النفط في الوصول إلى الأسواق بسعر مختلف، وتبدأ التجارة العالمية في دفع فاتورة الصراع.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية في الخليج لم تعد تدور حول ناقلة هنا أو سفينة هناك، وإنما حول السيطرة على شريان من أهم شرايين الاقتصاد العالمي، وحول قدرة أطراف الحرب على استخدام الطاقة كسلاح من دون أن ينقلب هذا السلاح على الجميع. فإذا استمرت لعبة «ناقلة مقابل ناقلة»، واتسعت دائرة الاستهداف لتشمل سفن الدول الخليجية والمنشآت النفطية والممرات البحرية الأخرى، فقد لا يكون حاجز المائة دولار سوى محطة أولى في أزمة أكبر.
فحرب الناقلات قد تبدأ بصاروخ يصيب سفينة، لكنها إذا خرجت عن السيطرة يمكن أن تنتهي بأزمة طاقة عالمية، وارتفاع في التضخم، وتراجع في التجارة، واضطراب في الصناعة والنقل، وربما إعادة رسم خريطة الطاقة والتحالفات الاقتصادية الدولية.
ولهذا فإن السؤال الأكثر خطورة لم يعد: كم سيبلغ سعر برميل النفط؟ وإنما: إلى أي حد يستطيع العالم تحمل حرب تجعل من كل ناقلة نفط هدفًا محتملًا، ومن كل مضيق بحري نقطة اختناق، ومن أمن الطاقة رهينة لصراع قد لا تكون حدوده في البحر، وإنما في مستقبل الاقتصاد العالمي نفسه؟