سلمان المشلحي
ثلاثة قرون من التاريخ لا يمكن اختصارها في صفحات، ولا سردها في ساعات، لكنها حين تُروى على ألسنة رجال ونساء عايشوا بعض فصولها، أو اقتربوا من صُنّاعها، وقرأوا تفاصيلها بعمق، فإن التاريخ يغادر الكتب ليصبح حكاية وطن نابضة بالحياة، وهذا ما ميّز مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ 2026»، الذي نظمته وزارة الداخلية في الرياض، برعاية واهتمام صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف بن عبدالعزيز، وزير الداخلية، تحت عنوان «تاريخنا ومستقبلنا.. أمن ونماء».
قيمة المؤتمر لم تكن في عنوانه الكبير أو كثافة جلساته وتنوع ضيوفه فحسب، بل في تلك الأحاديث التي خرجت من القلب؛ ذكريات وتجارب ومواقف وشواهد استرسل أصحابها في روايتها بعفوية وصدق، حتى بدت بعض الجلسات أشبه بمجالس وطنية مفتوحة، يتحدث فيها أصحاب المكانة والخبرة عن وطن يعرفونه، ورجال التقوهم، وأحداث شهدوها أو كانوا قريبين منها، كانوا كباراً بقيمهم وقاماتهم وتجاربهم وطرحهم؛ أمراء ووزراء وقادة ومفكرون ومؤرخون وإعلاميون، اجتمعت أصواتهم لتروي جوانب مختلفة من قصة واحدة، «قصة المملكة».
وكان جميلاً أن ترى الحضور يصغي بشغف، فيما كانت المنصات تتلقف المقاطع والشواهد والقصص وتنقلها إلى عشرات الآلاف من المتابعين؛ فما قيل لم يكن سرداً بارداً للتاريخ، بل ذاكرة حية حملت الكثير من الحكمة والوفاء والمواقف الإنسانية الملهمة، وقدمت صورة حية لمسيرة الأمن في وطن امتد تاريخه لثلاثة قرون، منذ تحديات التأسيس وبناء الدولة، وصولاً إلى حاضرٍ أصبح فيه الاستقرار أساساً للتنمية، والإنسان محوراً للبناء.
ولعل من أهم أسباب نجاح المؤتمر ذلك العمل الدؤوب والإعداد المميز والتنظيم الذي يليق بحجم الحدث وضيوفه ومضامينه، إلى جانب التوظيف اللافت للتقنية والنقل المباشر عبر المنصات، الذي وسّع دائرة الفائدة وألغى المسافات؛ فلم تعد قاعة المؤتمر وحدها تحتضن الحوار، بل أصبح أبناء الوطن في مختلف المناطق يتابعون التفاصيل لحظة بلحظة، وكأن الجميع في قاعة واحدة.
«حوار الأمن والتاريخ» لم يكن مؤتمراً عابراً، بل لقاء بين الذاكرة والخبرة، ونافذة أطل منها جيل اليوم على شواهد وطنه وتاريخه، ومن هنا يستحق كل من عمل وأعد ونظم واجتهد وأسهم في إنجاح هذا الحدث الوطني الكبير كلمة شكر وتقدير؛ فقد قدموا عملاً يليق بتاريخ وطن عظيم.
ولعل أجمل ما بقي منه أن تاريخنا هذه المرة لم نقرأه فقط، بل سمعناه من قلوب تعرفه وأصوات عاشت شيئاً من تفاصيله.