أبوبكر الموسى
انقضت ثلاثة أيام خصصتها وزارة الداخلية في الرياض لقراءة ثلاثة قرون من مسيرة الأمن السعودي، في مؤتمر «حوار الأمن والتاريخ» الذي أقيم تحت رعاية صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سعود بن نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية، تحت عنوان «تاريخنا ومستقبلنا.. أمن ونماء».
ويكشف هيكل البرنامج تتابعاً يقارب منطق بناء الدولة، من الجذور إلى الحاضر إلى استشراف المستقبل، فقد تناول اليوم الأول جذور المكان وبدايات الأمن، ورعاية الحرمين الشريفين، والإرث العسكري، وما استُعرض من مقاصد الشرع في إرساء العدل والمساواة، وصولاً إلى العدالة أساساً في بناء الدولة، وانتقل اليوم الثاني إلى حماية الوعي وتعزيز الاعتدال، ومستقبل القدرات الأمنية، ودور المملكة في الأمن والسلم الإقليمي والعالمي، واتجه اليوم الثالث إلى استشراف المستقبل من مدخل الإنسان والمجتمع، في دور المرأة والأسرة في بناء المجتمع الآمن، وقصة الإنسان والتنمية وانعكاساتها الأمنية والاجتماعية، والموروث الحضاري للمملكة.
وقد جسّدت تجربة «مسار الأمن» هذا التسلسل في صورته المادية، عبر خط زمني ينتقل بالزائر من مرحلة التأسيس الأولى إلى المنظومات التي تسند العمل الأمني اليوم، في طرح مكثف يلتقي في استخلاص المنهج الحاكم للمنظومة الأمنية في المملكة على مدار ثلاثة قرون، عبر تتبع الوقائع في سياقها واستقراء ما جرى عليه العمل في كل مرحلة، وقراءة من هذا النوع لا تتأتى إلا لتجربة ترسخ منهجها، ورأت في التوثيق وتصدير المعرفة استحقاقاً يفرضه نجاح النموذج الأمني السعودي.
ويظهر في هذا المسار ثبات الغايات العليا مع تجدد الوسائل، فالغاية التي قامت عليها المنظومة منذ نشأتها، من تأمين المسارات وحماية قاصدي الحرمين الشريفين وصون أمن الناس ومقدرات الوطن، هي ذاتها القائمة اليوم في زمن التحول إلى المجال الرقمي وما يحمله من تهديدات عابرة للحدود، وقد استدعى هذا الاتساع تطوير الأدوات وتعزيز الجاهزية بما يناسب طبيعة كل مرحلة، مع بقاء الأصل الذي قامت عليه المنظومة حاكماً لعملها، ومن هذا الثبات يُفهم موقع الأمن في الأولويات الوطنية، وتؤكد تجربة القرون الثلاثة أنه الركيزة التي قام عليها دعم الاستثمار وصناعة الفرص والتنمية المستدامة.
وتبقى الحصيلة في نقل الخبرة التراكمية من التجربة العملية لدى القيادات والممارسين خلال ثلاثة قرون عبر توثيقها وتحويلها إلى معرفة مؤسسية مدونة، تعين الأجيال القادمة على تقدير الموقف وإدراك السياق الذي أحاط بالقرارات الكبرى، وفي ثلاثة أيام قُرئت ثلاثة قرون، من الجذور إلى الحاضر إلى المستقبل، لتبقى الخلاصة في عنوان المؤتمر، «تاريخنا ومستقبلنا.. أمن ونماء».