مبارك بن عوض الدوسري
في زمنٍ أصبحت فيه التفاصيل الصغيرة قادرة على إشعال الخلافات، وأصبحت الكلمات تُقال أحيانًا بلا حساب لعواقبها، بات التغافل واحداً من أكثر فنون التعامل مع الحياة حاجةً إلى الفهم والإتقان؛ فليس كل ما نراه يستحق أن نتوقف عنده، وليس كل ما يؤلمنا يستوجب عتاباً، وليس كل موقف يحتاج إلى رد، وليس كل خطأ يستحق أن نفتح له باباً من الجدل قد لا يُغلق بسهولة.
والتغافل، في معناه الأعمق، ليس تجاهلاً للآخرين، ولا قبولاً بالخطأ، ولا عجزاً عن المواجهة، وإنما هو في كثير من الأحيان قرار واعٍ بأن نحافظ على ما هو أهم من الانتصار في نقاش عابر؛ أن نحافظ على الود، وعلى الكرامة، وعلى صفاء النفس، وعلى ما تبقى من علاقة قد يفسدها الإصرار على محاسبة الآخرين على كل صغيرة وكبيرة.
وقد عبّر الشاعر فاروق جويدة عن هذه المعاني بصورة بالغة العمق حين أشار إلى أن التغافل ليس دائماً لإبقاء الود، بل قد يكون لإبقاء الحسنات والكرامة وماء الوجه والطاقة، وقد يكون بسبب غياب التقدير، أو انعدام الحوار، أو قلة الحيلة، أو ضياع قيمة ما يمكن أن يُقال؛ وهي رؤية تضع التغافل في مكانه الصحيح: ليس كل صمتٍ رضا، وليس كل سكوتٍ ضعفاً، وليس كل ابتعادٍ جفاءً.
فكم من إنسان اختار أن يتغافل لأنه أدرك أن العتاب لن يغيّر شيئاً، وأن بعض الطباع لا تتغير بكثرة الكلام، وأن بعض الأشخاص لا يسمعون إلا ما يريدون سماعه؛ وكم من موقف مرّ بنا وكان بإمكاننا أن نرد عليه بكلمات قد تجرح، أو تكشف ما لا ينبغي كشفه، أو تهدم علاقة، لكننا اخترنا الصمت لأننا أدركنا أن الانتصار في لحظة قد يكون خسارة لعلاقة أو لراحة نفس لا تُشترى.
والتغافل أحياناً يكون حفاظاً على الطاقة النفسية؛ فالحياة بطبيعتها مليئة بالمواقف التي تستنزف الإنسان، وليس من الحكمة أن يجعل المرء نفسه في حالة استعداد دائم للرد على كل كلمة، ومناقشة كل تصرف، وتصحيح كل خطأ، وتفسير كل موقف؛ إن التدقيق المستمر في أفعال الآخرين يجعل الإنسان أسيراً لهم؛ يراقبهم، ويتأثر بهم، ويغضب من أجلهم، ويمنحهم من وقته وطاقته أكثر مما يستحقون.
ومن هنا يصبح التغافل نوعاً من إدارة المشاعر، إذ يقول الإنسان لنفسه: لا أريد أن أستهلك قلبي في أمر لا يستحق؛ وهذه ليست سلبية، بل قد تكون قمة الوعي؛ لأن الناضج لا يقيس قوته بعدد المرات التي انتصر فيها بالرد، وإنما بعدد المرات التي استطاع فيها أن يملك نفسه عندما كان الرد ممكنًا.
لكن للتغافل وجهاً آخر أكثر ألماً؛ فقد يكون نتيجة تراكم طويل من الخيبات؛ فالإنسان لا يتغافل دائماً لأنه متسامح، وإنما قد يتغافل لأنه تعب؛ وقد يصل المرء بعد كثرة التجارب إلى مرحلة لا يعود فيها العتاب مجدياً، ولا الشرح مفيداً، ولا محاولة الإصلاح ذات معنى؛ عندها لا يكون الصمت انتظاراً لتغيير، وإنما إدراكاً بأن بعض الأشياء قد انتهت في الداخل قبل أن تنتهي في الواقع؛ ولهذا قد يكون التغافل أحياناً علامة على سقوط شخص من القلب بلا رجعة؛ فلا خصام، ولا ضجيج، ولا عتاب طويل؛ وإنما مسافة هادئة يصنعها الإنسان بينه وبين من خذله، لأنه أدرك أن بعض العلاقات حين تنكسر لا يعيدها الاعتذار، وأن بعض الجروح إذا تكررت فقدت قدرتها على الالتئام؛ والأصعب من ذلك أن بعض الناس لا يعرفون أن صمت من أمامهم ليس قبولاً بما يفعلون، بل ربما كان آخر درجات الاحتمال؛ فقد يعتاد الإنسان أن يجد أمامه شخصاً يتجاوز ويعفو ويصمت، فيظن أن الأمور بخير، بينما الحقيقة أن هذا الصمت قد يكون تراكماً لآلاف التفاصيل التي لم تُناقش، ومئات المواقف التي تم التغافل عنها، حتى يأتي يوم لا يعود فيه هناك شيء يستحق النقاش.
وهنا يجب أن نفرّق بين التغافل الحكيم والتغافل الذي يتحول إلى استسلام؛ فليس من الحكمة أن نتغافل عن الظلم المستمر، أو الإساءة المتعمدة، أو الحقوق التي ينبغي المطالبة بها، أو السلوكيات التي تؤذي الآخرين؛ كما أن الصمت المستمر أمام الخطأ قد يمنح المخطئ شعوراً بأن ما يفعله مقبول؛ ولذلك فإن الحكمة ليست في التغافل دائماً، كما أنها ليست في المواجهة دائماً؛ الحكمة أن يعرف الإنسان متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يعاتب، ومتى يضع حداً، ومتى يمضي دون أن يلتفت.
إن العتاب في العلاقات الإنسانية وسيلة إصلاح حين يكون الطرف الآخر راغباً في الإصلاح، لكنه قد يتحول إلى عبء حين يكون الحوار غائباً، والتقدير مفقوداً، والاستعداد لفهم الآخر معدوماً؛ وفي مثل هذه الحالات يصبح تكرار العتاب أشبه بمن يطرق باباً يعرف أنه لن يُفتح؛ ولعل أجمل ما في التغافل أنه يمنح الإنسان فرصة لأن يحتفظ بجمال قلبه؛ فالحياة أقصر من أن نحمل في داخلنا سجلاً دائماً لأخطاء الآخرين، وأثقل من أن نعيش أسرى للذكريات المؤلمة؛ وليس معنى ذلك أن ننسى، وإنما أن نتعلم كيف نتذكر دون أن نتألم في كل مرة، وكيف نعرف الخطأ دون أن نتحول إلى أسرى له.
وفي علاقات الأسرة والصداقة والجيرة والعمل، يصبح التغافل قيمة اجتماعية لا غنى عنها؛ فلو حاسب كل إنسان من حوله على كل كلمة، وكل نظرة، وكل تقصير، وكل موقف، لتحولت العلاقات إلى ساحات محاكم لا تنتهي؛ أما حين نتعلم أن نتجاوز عن بعض الهفوات، وأن نحسن الظن، وأن نمنح الآخرين مساحة للخطأ والنقص، فإننا نساعد على بناء علاقات أكثر إنسانية وأقل توتراً.
والتغافل لا يعني أن يكون الإنسان ساذجاً؛ بل على العكس، قد يكون أكثر الناس تغافلاً هم أكثرهم فهماً لما يدور حولهم؛ إنهم يرون، ويفهمون، ويشعرون، لكنهم يختارون ألا يحوّلوا كل ما يعرفونه إلى مواجهة؛ فهناك أشياء نفهمها جيداً، لكننا نفضل ألا نتحدث عنها؛ ليس خوفاً، وإنما حفاظاً على كرامتنا وراحة قلوبنا.
وحين تضيق بنا السبل، قد يكون التغافل أيضاً طريقاً إلى الله؛ فهناك مواقف لا نجد لها تفسيراً، وأشخاص لا نستطيع تغييرهم، وحقوق نشعر أنها ضاعت، وأحزان لا تستطيع الكلمات التعبير عنها؛ عندها يكون أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان أن يترك بعض ما يؤلمه لله، وأن يختار ألا يرد الإساءة بالإساءة، وألا يجعل الحزن سبباً في إفساد قلبه.
إن الإنسان الحكيم لا يدخل كل معركة تُدعى إليها كرامته، ولا يرد على كل إساءة، ولا يشرح نفسه للجميع، ولا يطارد اعتذاراً ممن لا يشعر بالذنب؛ يعرف أن بعض المعارك لا رابح فيها، وأن بعض الردود تمنح الآخرين قيمة لا يستحقونها، وأن المحافظة على السلام الداخلي قد تكون أعظم انتصار؛ ولذلك، ربما نحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى أن نتعلم فن التغافل؛ أن نتغافل عن بعض الزلات حتى تستمر العلاقات، وعن بعض الكلمات حتى لا تتسع الفجوة، وعن بعض المواقف حتى لا نخسر طاقتنا، وعن بعض التصرفات لأن الرد عليها لن يغيّر أصحابها؛ لكن علينا في الوقت ذاته أن نعرف متى ينتهي التغافل وتبدأ ضرورة الموقف؛ فالتغافل عن الهفوة حكمة، أما التغافل عن الأذى المستمر فإضرار بالنفس، والتسامح فضيلة، أما السماح بتكرار الإساءة فليس فضيلة بالضرورة؛ وفي النهاية، ليست كل الأشياء تستحق أن نقف عندها، وليست كل الكلمات تستحق أن نجيب عنها، وليست كل العلاقات تستحق أن نستهلك أعمارنا في إصلاحها؛ فأحياناً يكون أرقى ما نفعله أن نبتسم، ونتجاوز، ونصمت، ثم نمضي؛ فبعض الصمت يحفظ الود، وبعضه يحفظ الكرامة، وبعضه يحفظ ما تبقى من الحسنات، وبعضه يحفظ طاقتنا، وبعضه يحفظ صورتنا أمام أنفسنا، وبعضه لا يعني سوى أننا تعبنا من الكلام؛ والأجمل أن نصل إلى تلك المرحلة التي نعرف فيها ما يستحق العتاب، وما يستحق التغافل، وما يستحق أن نتركه لله؛ فليس كل ما يؤلم القلب يحتاج إلى أن يُقال، وليس كل ما يُقال قادراً على أن يُصلح ما انكسر؛ والله من وراء القصد.