عبدالرحمن الحضري
في ستينيات القرن الماضي، عشنا مفارقةً ثقافية جميلة في مدن ومحافظات شمال السعودية الحالمة على خط «التابلاين»، كانت شاشة تلفزيون التابلاين بوابتنا نحو الدهشة، ونافذتنا المُشرعة على عوالم لم نكن نتخيل وجودها، في الوقت الذي كانت فيه أغلب المدن لا تعرف التلفزيون.
وبينما كانت «أناتلنا» تلتقط البث، كنا نتسمّر أمام الشاشة لنتابع بالأبيض والأسود روائع الأفلام والمسلسلات الأمريكية.
عبر تلك الشاشة، عرفنا قسوة الغرب الأمريكي ونحن نتابع مطاردات «جون واين»، وحبسنا أنفاسنا مع عُقد وحبكات «ألفريد هتشكوك»، وشاركنا عائلة «كارتريت» تفاصيل حياتهم اليومية في المسلسل الشهير «بونانزا».
ورغم أنها كانت متعةً خالصة ومجانية، إلا أنها لم تكن متاحة للجميع؛ فالكهرباء كانت موجودة، لكن بعض ساكني بيوت الطين لم يدخلوها للفاقة، ومن هنا بدأنا مع تلفزيون التابلاين عهد القرصنة البريئة، إذ كنا نمدّ سلك كهرباء (6 ملم) من فوق الجدار إلى بيت الجيران الأيسر حالاً، ويوميًا عند الرابعة عصرًا -موعد بدء البث- يشبكون لنا القابس الموصول بتلفزيوننا ذي الـ14 بوصة، حتى الساعة العاشرة ليلاً موعد الإغلاق. ومن المفارقات العجيبة أن بيتنا الذي كان يضم تلفزيونًا.. لا توجد فيه ولا «لمبة» إذ كان الاعتماد في الإنارة على ضوء السراج!
تبدلت الأحوال في نهاية السبعينيات بعد أن أشرقت شاشة التلفزيون السعودي في شمال المملكة عبر قناته الأولى، لتنقلنا من أودية تكساس وملاحقات الكاوبوي إلى عصرٍ جديد؛ أتى معه الجهاز العجيب (الفيديو) حينها، بدأنا قرصنةً من نوع آخر تمثلت في نسخ أشرطة الفيديو عبر وصلات كانت تصلنا «تهريب» من الكويت؛ نستأجر الشريط بعشرة ريالات، وننسخ منه نسخًا كثيرة لجميع بيوت الحارة، لتصل التكلفة النهائية للاستئجار ربع ريال!.
دارت الأيام ووصلنا إلى التسعينيات، وفيها غزت أطباق «الستالايت» أسطح منازلنا، فتولدت معها قرصنة جديدة؛ إذ صار الجار يمدّ سلكًا طويلاً من «الدش» الخاص بك ليسحب الإشارة ويتابع الفضائيات في مجلسه على حسابك، في مشهد يعكس بساطة وعفوية الجيرة.
لكن تلك البراءة لم تدم طويلاً، فمع انطلاق كأس العالم 1994، دُشن رسميًا عصر الاشتراكات المدفوعة، وتم القضاء على قرصنتنا البريئة بما يسمى «التشفير».. ومع التشفير، انفتح باب الجشع على مصراعيه، وأصبحت البطولات القارية وكؤوس العالم هدفًا استثماريًا شرِهًا، وبدأ عصر استغلال الجماهير وابتزاز عواطفهم بشكل ممنهج ومنظم.
واليوم نرى منصات رياضية كبرى تبالغ في فرض الرسوم ورفع أسعارها، والمضحك المبكي أن تصنف بعض هذه القنوات أسعار اشتراكاتها بحسب الدول، لتجعل من المشجع في دول الخليج العربي تحديدًا الضحية الكبرى، وكأن المواطن الخليجي يقبض راتبه شهريًا بلا عناء من اليانصيب!.
هذا الاستغلال الفج ولّد ردة فعل طبيعية، فظهرت «قرصنة مضادة» من نوع جديد، إذ يلجأ الكثير من المشجعين لجلب اشتراكات رسميّة وأجهزة استقبال أصلية من دول مجاورة ليست خليجية، لأنها ببساطة تُباع بنصف السعر. وكخليجي.. لا تحتاج لأن تكلف نفسك عناء البحث عمّن يؤمن لك الرسيفر والاشتراك الرخيص، فنقاط البيع هناك تريد تصريف بضاعتها، فتجدها تعلن عن نفسها «وباللوكيشن كمان»!.
وأمام جشع هذه القنوات، يعيش المشترك الذي أمّن اشتراكه من الخارج نشوة الانتصار، ليتمايل طربًا على إيقاعات «المزمار» مع عاطي الموركي:
إش بكم .. ما بنا شي
يا هوووه .. ما بنا شي