أحمد الأسمري
ليست كل المواقع في الحروب متساوية في قيمتها. أحياناً تكون بقعة صغيرة على الخريطة أهم من مساحة واسعة، لأن موقعها يمنحها ثقلاً يتجاوز حدودها. وباب المندب واحد من هذه المواقع التي تجعلها الجغرافيا نقطة حساسة تتقاطع عندها مصالح الدول وطرق التجارة وحسابات الأمن.
يربط المضيق البحر الأحمر بخليج عدن، ومنه بالبحر العربي والمحيط الهندي، وتمر عبره السفن المتجهة شمالاً نحو قناة السويس والبحر المتوسط أو جنوباً في الاتجاه المعاكس. ويقع بين اليمن من جهة، وجيبوتي وإريتريا من الجهة الأخرى، ويبلغ عرضه عند أضيق نقطة نحو 29 كيلومتراً.
وفي داخله جزيرة ميون التي تقسمه إلى قناتين بحريتين: شرقية ضيقة بين الجزيرة والساحل اليمني تُعرف بباب إسكندر وتُستخدم أساساً للملاحة الساحلية، وغربية أوسع وأعمق بين الجزيرة والساحل الإفريقي، تمر عبرها الحركة الرئيسية للسفن التجارية الدولية، ضمن مسارين متعاكسين يفصل بينهما نطاق مخصص لتنظيم حركة العبور.
لهذا لا يمثّل باب المندب ممراً بحرياً عادياً. فأي اضطراب فيه ينعكس على سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة وتكاليف الشحن، وقد يدفع السفن إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما يعنيه ذلك من زيادة المسافة والوقت والتكلفة.
وقد بلغ متوسط تدفقات النفط الخام والسوائل النفطية عبر المضيق خلال الربع الثاني من هذا العام نحو 8.1 ملايين برميل يومياً.
وتتضاعف حساسية باب المندب في الظرف الراهن مع الاضطرابات المستمرة في مضيق هرمز، إذ أصبحت سلامة الطرق البديلة أكثر أهمية لأسواق الطاقة والتجارة العالمية. ومن هنا، فإن أمن هذا الممر لا يمكن أن يكون مسؤولية دولة واحدة، ولا ينبغي أن تتحمَّل دولة بمفردها كلفة حماية طريق تنتفع منه اقتصادات العالم.
وقد تحركت المملكة مبكراً من هذا المنطلق. ففي 30 يوليو الماضي استضافت الرياض الاجتماع التأسيسي للتحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، بمشاركة واسعة من الدول، بهدف حماية حرية الملاحة وتأمين طرق التجارة وإمدادات الطاقة في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن. وتقرر أن تكون السعودية دولة مؤسسة وقائدة للتحالف، وأن يكون مقره الرئيسي الدائم في المملكة.
وجاء في الإعلان التأسيسي للتحالف تأكيد واضح أن الأمن البحري مسؤولية مشتركة، وأن التعاون والتنسيق بين الدول يمثِّلان أساساً لمواجهة التهديدات التي تتجاوز بطبيعتها الحدود الوطنية.
واليوم تزداد أهمية هذا التحرك مع التطورات المتسارعة على الساحل الغربي لليمن. فقد امتدت سيطرة مليشيا الحوثي إلى المخا وذباب وجزيرة ميون ومواقع إستراتيجية أخرى، ما يمنحها حضوراً جغرافياً أكثر حساسية بالقرب من واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ويرفع مستوى المخاطر التي قد تواجه حركة الملاحة في المضيق.
ولا يعني ذلك بالضرورة القدرة على إغلاق باب المندب أو التحكم المطلق بحركة السفن، لكنه يرفع مستوى الخطر ويجعل ضمان حرية الملاحة أكثر إلحاحاً، خصوصاً أن التجارب السابقة أثبتت أن مجرد التهديد يكفي لدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها وتحميل الاقتصاد العالمي تكاليف إضافية.
باب المندب اليوم أكبر من معركة على الساحل اليمني. إنه اختبار لقدرة المجتمع الدولي على حماية ممر حيوي تتقاطع عنده مصالح الجميع. وحين تصبح الجغرافيا بهذه الأهمية، تصبح مسؤولية حمايتها مشتركة أيضاً.