ناصر بن فريوان الشراري
لم يكن الاعتداء الذي استهدف خط أنابيب «شرق-غرب» في منطقتي الرياض والمدينة المنورة حادثًا عابرًا يمكن اختزاله في أضرار مادية تجري معالجتها، بل كان اعتداءً على سيادة المملكة وأمنها ومنشآتها الحيوية، ومحاولةً لتهديد أحد شرايين الطاقة الاستراتيجية فيها، وقد أعلنت وزارة الخارجية السعودية أن الهجوم نُفّذ بعدة طائرات مسيّرة قادمة من الأراضي العراقية، وأسفر عن إصابات بشرية وبعض الأضرار، مؤكدة احتفاظ المملكة بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات الكفيلة بحماية سيادتها وأمنها ومواطنيها والمقيمين على أراضيها.
تكشف هذه العملية، قبل كل شيء، طبيعة المليشيات الوظيفية التي لا تتحرك وفق مصالح أوطانها، ولا تقيم وزنًا لسيادة الدول التي تنطلق من أراضيها، بل تؤدي أدوارًا مرسومة لها ضمن شبكة إقليمية تتبادل الدعم والإسناد كلما تعرض أحد أذرعها للضغط، فحين يضيق الخناق على المشروع الحوثي في اليمن، وحين تتقدم القوى الوطنية اليمنية في معركة استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب، يصبح تحريك أذرع أخرى في المنطقة محاولةً متوقعة لتخفيف الضغط، وتشتيت الجهود، وفتح جبهات تهديد جديدة، وما جرى ليس بطولة عسكرية كما قد يصوره خطاب المليشيات، بل فعل إرهابي جبان استهدف منشأة مدنية حيوية وعرّض حياة البشر للخطر، ولا يمكن تبريره بأي شعار سياسي أو مذهبي.
هذه المليشيات لا تحمي العراق، ولا تدافع عن مصالح شعبه، ولا تخدم أمن المنطقة، إنها تحوّل الأراضي العراقية إلى منصة لصراعات لا مصلحة للعراقيين فيها، وتضع الدولة العراقية أمام أزمات خطرة مع جوارها العربي، ومن الظلم للعراق، شعبًا وتاريخًا ومؤسسات، أن تختطف جماعات مسلحة قراره السيادي، أو أن تجعل من سمائه وأرضه ممرًا للاعتداء على دولة شقيقة، ولذلك يجب أن يبقى التمييز واضحًا بين العراق الدولة والشعب وبين جماعات السلاح المنفلت التي تنازع الدولة سلطتها وترهن قرارها لأجندات خارج الحدود، ومن يطلق المسيّرات من خلف ظهر الدولة العراقية لا يمثل العراق، إنه يسيء إليه، وينتهك سيادته، ويغامر بأمن شعبه من أجل خدمة مشروع خارجي.
قد تتوهم هذه الجماعات أن إيثار المملكة عدم الرد في هذه المرحلة دليل تردد أو عجز، غير أن هذا الوهم لا يصدر إلا عمن لا يفهم منطق الدول الراسخة، ولا يدرك الفارق بين التروي والضعف، فالدولة القوية لا تُستدرج إلى توقيت يختاره خصمها، ولا تتخذ قراراتها تحت ضغط الانفعال، بل تزن خياراتها وفق مصالحها العليا، وتختار مكان الفعل وزمانه وأدواته بما يحفظ أمنها ويحقق أهدافها.
لقد أوضحت المملكة أن قرارها إتاحة الفرصة للحكومة العراقية جاء بناءً على طلب رئيس الوزراء العراقي، لتمكين بغداد من اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع الاعتداءات المنطلقة من أراضيها ضد المملكة ودول الجوار، وهذا الموقف لا يمثل تنازلًا عن الحق، بل يعكس احترامًا لسيادة العراق، ودعمًا لمؤسساته، ومنحًا للدولة الشقيقة فرصة فعلية لإثبات قدرتها على ضبط أراضيها وأجوائها ومحاسبة العابثين بأمن المنطقة.
في المقابل، تصبح المسؤولية الملقاة على الحكومة العراقية كبيرة وواضحة، فالإدانة وفتح التحقيق خطوتان ضروريتان، لكن المعيار الحقيقي سيكون في النتائج: تحديد الجهة التي خططت وأطلقت وموّلت، تفكيك البنية التي سمحت بالهجوم، إخضاع السلاح لسلطة الدولة، وضمان عدم تكرار استخدام الأراضي العراقية للاعتداء على الجيران، سيادة العراق لا تكتمل بالتصريحات وحدها، وإنما بقدرة مؤسساته على احتكار قرار الحرب والسلم ومنع أي جماعة من إقامة دولة موازية داخل الدولة.
أما المملكة، فإن ضبط النفس الذي أبدته ليس تفريطًا في الردع، ولا إسقاطًا لحقها المشروع في حماية أمنها، إنه قرار محسوب يمنح المسار السياسي فرصته، ويضع الحكومة العراقية أمام مسؤوليتها، ويترك الباب مفتوحًا أمام معالجة تمنع توسع دائرة التصعيد، لكن هذا الباب ليس مفتوحًا بلا نهاية، والفرصة الممنوحة لبغداد لا يمكن أن تتحول إلى غطاء تستفيد منه المليشيات لإعادة التموضع أو التحضير لاعتداءات أخرى.
إلى هذه المليشيات ومن يموّلها ويوجهها نقول بوضوح: السعودية ليست ساحةً لاختبار مغامراتكم، ومنشآتها ليست أهدافًا مستباحة، وأمن مواطنيها والمقيمين على أرضها خط أحمر لا يملك أحد حق الاقتراب منه، إن الاختباء خلف الطائرات المسيّرة، والاحتماء بأرض دولة شقيقة، واستهداف منشأة حيوية من مسافة بعيدة لا يصنع بطولة، بل يكشف جبن الفاعل، وضآلة مشروعه، وعجزه عن المواجهة السياسية والعسكرية المسؤولة، والطائرة المسيّرة قد تقطع مسافة طويلة، لكنها لا تمنح مطلقها شرعية، ولا تعوّضه عن افتقاره إلى مشروع وطني.
وعلى هذه الجماعات أن تكف عن قراءة التعقل السعودي قراءةً مقلوبة، فالمملكة لم تكن يومًا دولةً بلا أنياب، ولم يكن حرصها على حقن الدماء علامة ضعف، ولم يكن احترامها للعراق الشقيق عجزًا عن حماية حدودها، من يختبر صبر السعودية يخطئ في فهمها، ومن يراهن على انشغالها يجهل قدراتها، ومن يظن أن الاعتداء سيمر بلا حساب يبني رهانه على وهم، للمملكة مؤسساتها وقواتها وخياراتها، وهي صاحبة الحق في تحديد الوسيلة والتوقيت اللذين يصونان أمنها ويمنعان تكرار العدوان.
السعودية دولة تمتلك ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا كبيرًا، وتعرف كيف تحمي أمنها من دون ضجيج أو تهور، والوقوف معها في مواجهة هذا الاعتداء ليس مجرد انحياز عاطفي، بل دفاع عن سيادة دولة، وعن سلامة المدنيين، وعن استقرار الإقليم وأمن الطاقة العالمي، وهي حين تتمهل، فإنها لا تنسى، وحين تمنح الفرص للحلول السياسية، فإنها لا تتخلى عن حقوقها، وحين تدرس خياراتها، فإنها لا تفعل ذلك من موقع المتردد، بل من موقع الدولة التي تدرك أن الرد الفاعل ليس الأعلى صوتًا، وإنما الأدق حسابًا والأبلغ أثرًا.
إن الرسالة التي ينبغي أن تصل اليوم واضحة: احترام المملكة لسيادة العراق ليس رخصة لانتهاك سيادتها، وحرصها على استقرار المنطقة ليس قبولًا بتهديد أمنها، وإتاحة الفرصة لبغداد ليست مهلة مفتوحة للسلاح المنفلت، أمام الحكومة العراقية اختبار سيادي حقيقي، وأمام المليشيات حقيقة لا يمكن الهروب منها: حكمة الدول لا تعني ضعفها، والصبر الاستراتيجي لا يلغي المحاسبة، ومن يمد يده إلى أمن المملكة سيجد دولةً موحدةً خلف قيادتها، واثقةً بقواتها، قادرةً على حماية أرضها وحقوقها، السعودية لا تبحث عن التصعيد، لكنها لا تقبل العدوان، لا تستعجل الرد، لكنها لا تفرّط في الحساب، وإذا قالت إن أمنها خط أحمر، فهي تملك من الإرادة والقدرة ما يجعل لهذا القول معناه الكامل.