«الجزيرة» - وائل سعود العتيبي:
تشهد السينما السعودية منذ عام 2018 تحولًا متسارعًا، انتقلت خلاله من تجارب فردية ومبادرات متفرقة إلى صناعة تتشكل مؤسساتها وأسواقها ومهرجاناتها وجمهورها. غير أن هذا التحول يفتح أسئلة تتجاوز الاحتفاء بالمنجز إلى مساءلة أدواته ومستقبله: أين تقف الأصالة أمام هاجس الاعتراف الدولي؟ وهل اكتملت ملامح الصناعة؟ وما الذي يحتاج إليه الفيلم السعودي بين النص والإنتاج والنقد والجمهور؟ وكيف يمكن للسينما أن تحفظ الذاكرة الثقافية، وتستثمر ثراء الأدب والتاريخ السعودي؟
في هذا الحوار، يقرأ الناقد الدكتور علي زعلة المشهد السينمائي السعودي من زاوية نقدية، متوقفًا عند رهانات الأصالة والاعتراف، وتحولات الصناعة، ودور مهرجان أفلام السعودية، ومستقبل النقد والاقتباس من الأدب، وصولًا إلى مسؤولية السينما في صناعة الذاكرة وبناء لغة سعودية قادرة على مخاطبة العالم دون أن تفقد جذورها.
تطرحون مفهوم «رهانات الأصالة والاعتراف».. هل تعتقدون أن السينما السعودية ما زالت تبحث عن اعتراف الخارج أكثر من بحثها عن جمهورها المحلي؟
- أعتقد أن المسألة أكثر تعقيدًا من ثنائية الداخل والخارج. الفيلم الجيد لا يُصنع لإرضاء الجمهور المحلي، كما لا ينبغي أن يُصنع وفق وصفة متخيلة لما تريده المهرجانات العالمية. المشكلة تبدأ عندما يسبق هاجس الاعتراف عملية الإبداع، فيصبح المخرج منشغلًا بما يريده المبرمج الدولي، بدلًا من عالمه وشخصياته وتجربته.
والأصالة، في رأيي، ليست استعراضًا للتراث أو الملابس واللهجات، وإنما أن ينطلق الفيلم من معرفة حقيقية بعالمه، وأن يكون المكان واللغة والشخصيات والذاكرة جزءًا عضويًا من بنائه. وهذا ما وجدته، بدرجات مختلفة، في أفلام مثل «هوبال» و«هجرة»؛ فالخصوصية المحلية فيهما ليست زينة، بل مكوّن من مكونات المعنى.
أما الاعتراف فهو نتيجة، وليس نقطة انطلاق. وأول اعتراف مهم هو اعتراف الجمهور المحلي بالفيلم؛ لا بمعنى الخضوع لذائقته، بل أن يشعر بأن السينما تعرفه وأمكنته وأسئلته وتحولاته. وبعد ذلك تستطيع هذه المحلية أن تعبر إلى العالم. والتجارب السينمائية الكبرى تؤكد أن أشد الأفلام محلية قد تكون أكثرها قدرة على العبور؛ لأن الإنسانية لا تتحقق بمحو الخصوصية، وإنما بصدقها.
كيف تقرأون التحول الذي شهدته السينما السعودية بعد عام 2018؟ وهل نحن أمام صناعة متكاملة أم مرحلة تأسيس؟
- عام 2018 ليس تاريخ ميلاد السينما السعودية، لكنه تاريخ انتقالها إلى مرحلة جديدة. قبل ذلك كانت هناك أفلام ومخرجون ومهرجانات وتجارب مهمة، وبعده تشكلت منظومة تضم صالات العرض والسوق والهيئة المتخصصة وبرامج الدعم والتدريب والمهرجانات وصناديق الإنتاج والشركات والتوزيع وشباك التذاكر.
لكن وجود الصناعة لا يعني اكتمالها. أرى أننا أمام صناعة ناشئة حقيقية، ما تزال تبني تقاليدها وتراكمها. بعض الحلقات أحرزت تقدما ملموسًا، في بعض جوانب البنية الأساسية والعرض والتمويل، فيما تحتاج الكتابة والتطوير والإنتاج المستقل والتوزيع والنقد والأرشفة والبحث إلى وقت أطول.
السينما الوطنية لا تتشكل في سبع أو ثماني سنوات؛ تحتاج إلى تراكم كي تظهر مشتركاتها الجمالية والسردية، ويتشكل جيل من المخرجين والكتاب والفنيين، ويتطور الجمهور. لذلك لا أطالب السينما السعودية الآن بلغة مكتملة، بل أريدها أن تواصل التجريب والنجاح والإخفاق؛ فالإخفاق جزء من تاريخ كل سينما حقيقية.
* كيف يمكن للسينما أن تحفظ الذاكرة الثقافية للمملكة، بدلًا من أن تكون مجرد وسيلة ترفيه؟
- السينما تحفظ الذاكرة حتى عندما لا تقصد ذلك. فالفيلم الذي يصور شارعًا أو بيتًا أو قرية، ويسجل اللهجة والملابس وأصوات الأسواق والطعام والعلاقات، يتحول مع الزمن إلى وثيقة ثقافية، برغم أنه عمل تخييليّ.
لذلك لا أحب اختزال حفظ الذاكرة في الفيلم التراثي أو الوثائقي؛ فالذاكرة تسكن التفاصيل الصغيرة. في «هوبال»، مثلًا، نستعيد مرحلة اجتماعية من خلال الصحراء والخيمة واللغة والعلاقات الأسرية والخطاب الديني والاجتماعي. وفي «هجرة» نجد مسارًا آخر للذاكرة عبر الطريق والحج والجغرافيا والطقس الديني وتعدد الشخصيات والجنسيات.
الذاكرة هنا ليست متحفًا، بل حياة تتحرك أمام الكاميرا. ومن مسؤوليات السينما السعودية أن تنظر إلى المملكة بوصفها أرشيفًا هائلًا من الأمكنة والحكايات واللغات والسير والتحولات، لا مجرد مواقع جميلة للتصوير.
* ما الذي ينقص الفيلم السعودي اليوم: النص، أم المنتج، أم الناقد، أم الجمهور؟
- لو اضطررت إلى اختيار عنصر واحد فسأقول: التطوير، وفي قلبه النص.
لا يعني ذلك أن كتّاب السيناريو ضعفاء، لكن الفيلم يحتاج قبل التصوير إلى زمن أطول للتأمل وإعادة الكتابة والاختبار. فكثير من مشكلات الإيقاع والشخصيات والحوار وبناء الحكاية تكون قد ترسخت في السيناريو.
وشاهدنا في فيلم «القيد» للمخرج المبدع حسام الحلوة أن الصورة والموسيقى والأداء لا تستطيع وحدها إنقاذ قصة محدودة؛ لأن القصة هي الفضاء البنيوي الذي تتحرك فيه الشخصيات وتتولد داخله الصراعات.
لكن المسؤولية لا تقع على النص وحده. نحتاج إلى منتج شريك في التطوير، وناقد يفهم الفيلم ولا يكتفي بتقويمه، وجمهور تتطور خبرته مع اتساع المشاهدة. الصناعة منظومة، والخلل في حلقة ينعكس على بقية الحلقات.
* كثير من الأفلام السعودية تدور حول الهوية والتحولات الاجتماعية.. ماذا عن الأفلام التاريخية والسير الذاتية؟
- هي من المساحات الكبرى التي لم نستثمرها بما يكفي، بشرط ألا نفهم الفيلم التاريخي بوصفه درسًا في التاريخ، ولا السيرة بوصفها حفل تكريم لشخصية.
لدينا تاريخ غني، ليس سياسيًا فقط، بل اجتماعيًا وثقافيًا واقتصاديًا، ولدينا شخصيات يمكن أن تنتج عنها أفلام عظيمة إذا قُرئت بوصفها شخصيات بشرية، بما فيها من نجاح وهزيمة وتناقض وضعف وطموح.
السينما تحتاج إلى الإنسان لا إلى التمثال. والفيلم التاريخي الجيد لا يعيد سرد الماضي، بل يبني داخله تجربة إنسانية. وهذا ما أفضله: أن يصبح الماضي مادة للسؤال، لا خلفية للزينة.
* هل تخشى السينما السعودية من الاقتراب من الأدب السعودي؟ ولماذا ما زال تحويل الرواية السعودية إلى أفلام محدودًا؟
- لا أعتقد أنها تخشاه؛ أعتقد أن الأدب والسينما لم يلتقيا مؤسسيًا بما يكفي حتى الآن.
لدينا رصيد روائي وقصصي غني، يضم شخصيات وأمكنة وتحولات اجتماعية ومواد سردية شديدة الثراء. لكن الاقتباس ليس نقل الرواية إلى الكاميرا؛ فالرواية تقوم على اللغة والوصف والوعي الداخلي، بينما تحتاج السينما إلى الصورة والحركة والصوت والمشهد. لذلك فالاقتباس الحقيقي إعادة كتابة.
وأحيانًا يكون الوفاء الحرفي للرواية خيانة للفيلم. ما نحتاج إليه هو جسور مهنية بين الروائيين وكتاب السيناريو والمنتجين، عبر مختبرات الاقتباس وتطوير الحقوق والقراءة المنهجية للمدونة الأدبية، واختيار الأعمال ذات الطاقة السينمائية الحقيقية.
وأمام السينما خزان سردي لم يُفتح كما ينبغي، لا في الرواية وحدها، بل في القصة القصيرة والسيرة والرحلة والتاريخ الشفهي أيضًا.
* قلتم إن السينما السعودية ليست وليدة السنوات الأخيرة، بل تمتد جذورها إلى خمسينيات القرن الماضي. كيف يؤثر هذا التصور في إعادة كتابة تاريخها؟
- يغيره جذريًا؛ لأن التاريخ الذي يبدأ من 2018 يكتب تاريخ السوق السينمائية الجديدة، لا تاريخ السينما السعودية.
هناك أفلام أرامكو التوعوية وتجارب الخمسينيات والستينيات، ثم تجربة عبد الله المحيسن منذ السبعينيات، والأفلام والتلفزيونية، وتجارب المخرجين السعوديين في الداخل والخارج، ثم مرحلة الأفلام القصيرة والمهرجانات، وصولًا إلى مهرجان أفلام السعودية في 2008 وما تلاه.
إعادة كتابة التاريخ مهمة؛ لأنها تستبدل سردية «الانقطاع» بسردية «التحولات». صحيح أننا لم نمتلك طوال تلك العقود صناعة سينمائية مستقرة، لكن السعوديين لم يكونوا منفصلين عن الفيلم مشاهدةً وصناعةً وتجريبًا.
وهذا يمنح الجيل الحالي آباءً وذاكرةً وتاريخًا. فالسينما التي تعتقد أنها بدأت بالأمس تضطر إلى اختراع نفسها من الصفر، أما التي تعرف تراكمها فتستطيع أن تحاوره وتتجاوزه وتبني عليه.
* ما تقييمكم لتجربة المهرجانات السينمائية السعودية؟ وهل أسهمت في صناعة سينما مستدامة؟
- لا يمكن تحميل المهرجان مسؤولية بناء الصناعة كلها. وظيفته الأساسية أن يعرض ويكتشف ويمنح الشرعية الثقافية، ويجمع الفيلم بالصانع والجمهور والنقاد والمنتجين.
ومن هذه الزاوية، أرى أن مهرجان أفلام السعودية أدى دورًا تاريخيًا؛ فقد بدأ قبل عودة دور السينما بسنوات، ووفّر منصة لأجيال من الصانعين حين لم تكن هناك سوق بالمعنى الحالي. كما توسعت وظيفته لتشمل سوق الإنتاج والكتب والبرامج المعرفية والورش واللقاءات المهنية.
لكن الاستدامة لا يصنعها أسبوع واحد في السنة. الاستدامة تعني أن يستطيع المخرج تطوير مشروعه وتمويله وتصويره وتوزيعه واستعادة جزء من تكلفته، ثم إنتاج فيلم ثانٍ وثالث.
ولهذا ينبغي أن تنتقل أسئلة تقييم المهرجانات من عدد الضيوف والأفلام إلى ما حدث لهذه الأفلام بعد المهرجان، وكم مشروعًا انتقل من سوق الإنتاج إلى الشاشة، وكم موهبة استمرت. ومع ذلك، فإن ما يقدمه مهرجان أفلام السعودية من برامج لتطوير النصوص، ومتابعة مخرجات سوق الإنتاج، والعروض التي تجوب مناطق المملكة، يؤكد أنه لا يصنع مهرجانًا فحسب، بل يسهم في بناء بيئة سينمائية.
* هل ترون أن الجوائز التي مُنحت في الدورة الأخيرة كانت انعكاسًا لمعايير فنية خالصة؟
- لا أعرف ما دار داخل غرف التحكيم، ولذلك لا أحب أن أنسب إلى اللجان دوافع لا أملك دليلًا عليها. نحن نناقش النتائج والأعمال، لا النيات.
ثم إن «المعايير الفنية الخالصة» تحتاج إلى تفكيك؛ فالفن ليس سباقًا يمكن قياسه بالثواني. حتى اللجنة المتخصصة تتأثر بالذائقة والخبرة والسياق والجدة والمخاطرة وتماسك الرؤية.
في الدورة الثانية عشرة فاز «هجرة» بالنخلة الذهبية لأفضل فيلم روائي طويل، ولم تكن النتيجة مفاجئة بالنسبة لي؛ فقد كتبت عن الفيلم قبل الجائزة، ورأيت فيه عملًا غنيًا بالسينما وجمالياتها، يجمع بين الأصالة والجرأة.
وما ينبغي الحذر منه هو أن تتحول «الموضوعات المهمة» إلى قيمة مستقلة عن كيفية صنع الفيلم. فليس كافيًا أن يكون الموضوع نبيلًا أو جريئًا؛ السؤال النقدي هو: ماذا فعلت السينما بهذا الموضوع؟
* هل استطاع مهرجان أفلام السعودية أن يصنع حركة نقدية موازية للحركة السينمائية؟
- أسهم المهرجان بقوة في تأسيس بيئة نقدية، لكن لا أستطيع القول إن النقد تطور بالسرعة نفسها التي تطور بها الإنتاج.
من أهم ما قدمه المهرجان اهتمامه بالكتاب السينمائي والتوثيق وإصدار المؤلفات والقراءات، ومشروع «الموسوعة السعودية للسينما» الذي أراه مشروعًا معرفيًا استثنائيًا عربيًا من حيث تنوعه واستمراره وثرائه، فضلًا عن عنايته بالنشر والتوزيع واستقطاب أسماء سعودية وعربية وأجنبية.
لكن الإنتاج اليوم أسرع؛ لدينا أفلام وصالات ومنصات ومهرجانات وحركة أخبار واسعة، بينما يظل النقد الجاد أقل حضورًا من الخبر والانطباع والتقييم السريع.
ولهذا تكتسب مبادرات مثل مؤتمر النقد السينمائي السعودي أهمية خاصة؛ لأنها تحاول إعادة النقد إلى قلب المنظومة وربطه بالصانع والجمهور، بدل بقائه خطابًا نخبويًا مغلقًا.
* كيف تقيمون مستوى الكتابة النقدية التي صاحبت مهرجان أفلام السعودية الأخير؟
- لست متابعًا لها بدقة كافية، لكن هناك كتابات جيدة ومتابعات مهمة، ولا أعتقد في المجمل أن الحصيلة النقدية كانت بحجم الحراك السينمائي.
لدينا خلط بين الصحافة السينمائية والنقد السينمائي. فالخبر والمقابلة والتقرير والانطباع ضرورية، لكنها ليست المقال النقدي. النقد يحتاج إلى مشاهدة متأنية ومعرفة باللغة السينمائية والقدرة على تفكيك الصورة والصوت والزمن والمكان والشخصيات وعلاقتها بالمعنى.
كما أن سرعة المهرجان تعمل أحيانًا ضد النقد؛ فالناقد يشاهد عدة أفلام يوميًا ويكتب تحت ضغط النشر، بينما تحتاج بعض الأفلام إلى وقت كي تتضح رؤيتنا تجاهها.
لذلك نحتاج إلى تحويل جزء أكبر من الطاقة المعرفية للمهرجان إلى مدونة نقدية مستمرة بعد انتهائه، لا أن ينتهي النقاش بانتهاء الفعاليات.
يلاحظ أن عددًا من النقاد السعوديين اتجهوا إلى لجان التحكيم وإدارة المهرجانات أكثر من إنتاج خطاب نقدي مؤثر. هل فقد النقد السعودي استقلاليته؟
ليس بالضرورة. الناقد يستطيع أن يكون محكمًا أو مبرمجًا أو مستشارًا، وهذه الخبرات قد توسع معرفته.
المشكلة ليست في الوظيفة وإنما في المسافة. حين يتحول الناقد بصورة دائمة إلى جزء من الجهاز المؤسسي للصناعة، ويصبح همه العلاقات والمناسبات أكثر من الكتابة والمساءلة، يبدأ السؤال عن استقلاليته.
النقد يحتاج إلى قدر من العزلة، لا بمعنى الخصومة مع الصانع، بل القدرة على أن تحترمه وتحاوره ثم تختلف معه. الناقد ليس خصمًا للمخرج، لكنه ليس جزءًا من فريق العلاقات العامة للفيلم.
وأعتقد أن المعيار بسيط: هل ما زال الناقد قادرًا على قول «لا» حين يعتقد أنها الإجابة الصحيحة؟ إذا فقد هذه القدرة، فقد جزءًا جوهريًا من وظيفته.
* لماذا لا يحظى الناقد السينمائي السعودي بالحضور الإعلامي الذي يحظى به المخرج أو الممثل؟
- ربما في الطرفين. الإعلام بطبيعته يميل إلى الصورة والوجه والنجومية، والممثل والمخرج أكثر قابلية لهذه الصناعة من شخص يكتب عن المونتاج أو الزمن السينمائي.
لكن على النقاد أيضًا ألا يلقوا اللوم كله على الإعلام. بعض النقد يُكتب بلغة مغلقة وكأنه يخاطب لجنة من المختصين، وبعض النقاد يظن أن التعقيد دليل عمق، مع أن أصعب الكتابة أن تقدم فكرة مركبة بوضوح ورشاقة.
أنا لا أرى النقد وصاية على الجمهور. وظيفة الناقد أن يضيف إلى المشاهدة، وأن يجعل القارئ يرى الفيلم من زاوية لم ينتبه إليها. فإذا فعل ذلك بلغة دقيقة وممتعة، فسيجد قارئه.
* ما الرسالة التي توجهونها إلى الجيل الجديد من النقاد السعوديين؟
- أقول لهم: شاهدوا كثيرًا، اقرأوا كثيرًا، اكتبوا كثيرًا.
لا يمكن بناء ناقد من مشاهدة الأفلام وحدها، ومعرفة أسماء الممثلين والمخرجين وميزانيات الأفلام، السينما تلتقي بالتاريخ والأدب والفلسفة والموسيقى والتشكيل وعلم الاجتماع وعلم النفس والسياسة، وكل معرفة جديدة توسع قدرتك على رؤية الفيلم.
وفي المقابل، لا يكفي أن تأتي إلى السينما محملًا بالنظريات. الفيلم ليس ذريعة لاستعراض أسماء الفلاسفة؛ النظرية أداة لرؤية ما في الفيلم، وليس مجالا لإثبات دقة النظرية أم المنهج النقدي.
تعلموا لغة السينما نفسها: اللقطة، العدسة، التكوين، حركة الكاميرا، المونتاج، الصوت، الإضاءة، أداء الممثل، الإيقاع، المكان والزمن. وتجربتي في المزاوجة بين النقد الأدبي والسينمائي علمتني أن أدوات السرد مفيدة، لكنها لا تكفي؛ فالفيلم لا يُكتب بالكلمات وحدها.
والأهم: لا تجعلوا محبتكم للسينما السعودية مجاملة لها، ولا تجعلوا الرغبة في الظهور بمظهر الناقد الصارم تربصًا بها. الفيلم السعودي لا يحتاج ناقدًا يصفق له لأنه سعودي، ولا ناقدًا يهدمه ليثبت استقلاليته؛ يحتاج قارئًا جادًا ومنصفًا يرى الجمال والخلل في اللحظة نفسها.
النقد في النهاية ليس حكمًا يصدر من منصة أعلى من الفيلم، بل ممارسة إبداعية ومعرفية موازية له؛ تدخل معه في حوار، وتمنحه حياة أخرى بعد انتهاء العرض.
خاتمة
تكشف رؤية الدكتور علي زعلة أن السينما السعودية تجاوزت سؤال إثبات الوجود، لتدخل مرحلة أكثر تعقيدًا وأهمية: مرحلة بناء اللغة والتراكم والذاكرة. فالصناعة لا تكتمل بكثرة الإنتاج، ولا باتساع الصالات والمهرجانات والتمويل، وإنما بقدرتها على تطوير نصوص أكثر نضجًا، وترسيخ نقد أكثر استقلالًا، وبناء جسور أعمق مع الأدب والتاريخ، وتكوين جمهور ينمو مع التجربة ويشارك في تشكيلها.
وبين الأصالة والاعتراف، وبين سرعة الإنتاج وحاجة النقد إلى مزيد من التراكم، تبدو المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا لقدرة السينما السعودية على تحويل خصوصيتها المحلية إلى لغة سينمائية تتجاوز حدود المكان دون أن تتنكر له. فالفيلم الذي يعرف جذوره يستطيع أن يخاطب العالم بثقة، والسينما التي تحفظ ذاكرتها لا تكتفي بتوثيق الماضي، بل تستخدمه لفهم الحاضر وصناعة المستقبل.
وهنا تتجاوز السينما وظيفتها بوصفها صناعة للترفيه والصورة، لتصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية للوطن؛ تحفظ الأمكنة والحكايات والتحولات، وتمنح الإنسان السعودي فرصة لأن يرى نفسه وتاريخه وأسئلته على الشاشة، وأن يقدمها في الوقت نفسه إلى العالم، بلغة سينمائية نابعة من بيئته وقادرة على الحوار الإنساني الواسع.