محمد سعد القحطاني
كان الغياب قديمًا يحتاج إلى مسافة.
إلى بابٍ يُغلق، أو مسافرٍ يرحل، أو مقعدٍ يبقى فارغًا بعد صاحبه. وكان للغياب دليل بسيط لا يحتاج إلى تفسير:
أن أحدًا ليس هنا.
أما اليوم، فقد تعلّم الغياب حيلةً أكثر إتقانًا:
أن يحدث والجميع موجود.
تمتلئ المقاعد، ولا يكتمل المجلس.
تتقارب الأكتاف، وتتباعد الأنظار.
يجتمع أهل البيت في المكان نفسه، وربما لا ينقص المشهد شخص واحد، ومع ذلك
ينقصه شيء أكبر من الأشخاص:
الحضور.
كتبتُ في قصيدة قديمة:
«يا تفاصيل الغياب اللي سكن في حاضري»
كنت أكتب عن غيابٍ له حكايته، لكن العبارة تبدو لي اليوم أكبر من حكايتها الأولى.
فالغياب الذي كان يسكن حاضر مشتاق، أصبح قادرًا على أن يسكن حاضر بيت كامل.
لقد تعلّم الغياب كيف يحضر.
المجلس الذي لم يجتمع
ندخل بعض مجالسنا فنجد كل شيء في مكانه.
القهوة تدور، والمقاعد ممتلئة، والرجال متجاورون حتى تكاد الأكتاف تتلامس.
ومع ذلك، قد يكون لكل واحد منهم باب غير مرئي غادر منه إلى مكان آخر.
وهنا حدث شيء لم يكن الغياب يعرفه قديمًا:
لم يعد الإنسان بحاجة إلى أن يقوم من المجلس كي يغادره.
قد يبقى في مقعده ساعات، ويكون حضوره أقل من شخص بعيد أرسل كلمة صادقة.
ولعل هذه إحدى المسافات التي لم نضع لها وحدة قياس بعد:
أن تكون المسافة بين إنسانين أقل من ذراع، ويحتاج أحدهما إلى رحلة طويلة
كي يصل إلى الآخر.
فليست المسافات كلها بالكيلومترات.
بعضها يُقاس بعدد المرات التي تحدث فيها شخص أمامنا، ولم نرفع إليه أعيننا.
حين يتعلّم الطفل ألّا ينادي
في البيوت تبدأ الحكايات الكبيرة بأشياء صغيرة جدًا.
يأتي الطفل بورقة رسم عليها شيئًا لا نفهم لماذا يراه مهمًا.
ينادي أباه ليخبره بما حدث في المدرسة.
يقترب من أمه بحكاية طويلة لا تستحق، في ميزان الكبار، كل ذلك الحماس.
لكنه لا يقدم معلومة.
إنه يقدم نفسه.
وحين يسمع: «دقيقة»، قد لا تكون المشكلة في الدقيقة.
المشكلة في الدقيقة حين تتكرر حتى يفهم الصغير رسالة لم يقلها أحد:
ليس الآن.
ثم يكبر «ليس الآن» معه.
إلى أن يحدث ما هو أخطر من أن يتوقف الكبير عن الاستماع:
أن يتوقف الطفل عن المحاولة.
وهنا لا تضيع حكاية صغيرة فقط؛ قد يُغلق باب كان الطفل يتعلم من خلاله
إلى من يذهب عندما تصبح حكايته أكبر من رسمة، وأثقل من موقف في المدرسة.
نخشى اليوم الذي يكبر فيه أبناؤنا فلا يخبروننا بما يحدث لهم.
لكن ربما يسبق هذا الخوف سؤال أشد قسوة:
كم مرة جاؤوا إلينا وهم صغار، فلم يجدونا رغم أننا كنا أمامهم؟
وجوه لم نعد نقرأها
للوجه لغة لا تحتاج إلى حروف.
كان المرء يعرف أن أباه يحمل همًا وإن قال: أنا بخير.
ويرى في عين أمه تعبًا لم تشتكِ منه.
ويلتقط من صمت صديقه أن وراء «ما فيني شيء» أشياء كثيرة.
هذه اللغة لا تحتاج إلى قاموس.
تحتاج فقط:
أن ننظر.
وحين تقل عادة النظر، لا نفقد التواصل البصري وحده؛ نفقد شيئًا من قدرتنا القديمة على قراءة بعضنا.
وقد نعرف اليوم أين سافر شخص لم نلتقِ به منذ سنوات، وماذا أكل، وأين جلس، ثم نعجز عن ملاحظة أن الذي يعيش معنا منذ سنوات ليس بخير.
وهذه واحدة من مفارقات عصرنا:
اتسعت معرفتنا بالبعيد حتى ضاقت ملاحظتنا للقريب.
الإنسان أبطأ من أن ننتظره
اعتدنا السرعة حتى بدأ الإنسان نفسه يبدو بطيئًا.
نريد الفكرة مختصرة، والخبر سريعًا، والجواب مباشرًا، والحكاية بلا مقدمات.
ثم أخذنا هذا الإيقاع معنا إلى البشر.
نتضايق من أب يعيد حكايته، ومن طفل يتلعثم حتى يصل إلى فكرته، ومن صديق
يدور حول وجعه لأنه لا يعرف كيف يقوله.
نريد «الزبدة».
لكن الإنسان ليس خبرًا عاجلًا.
ولا يمكن اختصار كل وجع في سطرين.
وبعض القلوب لا تفتح أبوابها من أول طرقة.
فماذا لو كان أهم ما سيقوله ابنك في آخر الحكاية؟
وماذا لو كانت مقدمة أبيك الطويلة طريقة رجل لا يعرف كيف يقول:
أحتاجك؟
وماذا لو كان الصمت الذي استعجلت كسره هو اللحظة التي كان صديقك يجمع فيها شجاعته ليقول الحقيقة؟
أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى من يفهمه بسرعة.
يحتاج إلى من لا يستعجله.
وربما تكون إحدى مشكلاتنا الجديدة أننا بدأنا، من حيث لا نشعر، نعامل البشر كما نعامل الأشياء التي تمر أمامنا:
ما لم يشدّنا سريعًا، تجاوزناه.
والإنسان أعمق من أن يُمرَّر.
حين يتوزع الإنسان على الجميع ثمة أشياء كثيرة تطلب منا شيئًا طوال اليوم.
شيء يريد عينك.
وآخر يريد أذنك.
وثالث يريد رأيك.
ورابع يريد غضبك.
وكل واحد منها يأخذ حصة صغيرة لا تبدو مؤذية وحدها.
حتى يأتي المساء، فنكتشف أننا وزعنا أنفسنا على الجميع، ولم يبق لمن حولنا إلا ما تبقى منا.
وهنا تصبح المسألة أكبر من تشتت الانتباه.
فالانتباه ليس حركة عين.
إنه أحد أشكال الحضور.
ومن تمنحه انتباهك تمنحه جزءًا من وقتك، ومن تمنحه وقتك تمنحه جزءًا لا يعود من عمرك.
نحن لا ندفع أثمان الأشياء دائمًا بالمال.
بعض الأثمان تُخصم من الحياة مباشرة، لكن بأرقام صغيرة لا تلفت انتباهنا.
ذكريات كثيرة.. وذاكرة قليلة
لم يسبق لجيل أن استطاع الاحتفاظ بهذا العدد من لحظاته.
نصور الميلاد، والخطوة الأولى، والسفر، والمطر، واللقاء، والضحكة.
نحتفظ بكل شيء تقريبًا.
لكن هناك فرقًا بين أن نحتفظ باللحظة وأن تحتفظ اللحظة بنا.
قد توجد لابنك آلاف الصور، بينما تكون أكثر ذكرياته رسوخًا مساءً عاديًا لم تلتقط فيه صورة واحدة؛ لأنك كنت منشغلًا به عن توثيقه.
ليس كل ما لم نصوره قد ضاع.
أحيانًا يكون العكس صحيحًا:
بعض اللحظات بقيت فينا لأنها لم تجد شيئًا يقف بيننا وبينها.
البعيد الذي اقترب.. والقريب الذي ابتعد
حقق الإنسان انتصارًا مذهلًا على المسافة.
أصبح البعيد قريبًا.
لكننا، ونحن نحتفل بانتصارنا على البعد، ربما لم نسأل:
ماذا لو أصبح القريب بعيدًا؟
أن تعرف أخبار العالم، ولا تعرف لماذا أغلق ابنك باب غرفته.
أن تصل إلى شخص في قارة أخرى، ولا تصل إلى قلب الشخص الجالس إلى جوارك.
أن تتلقى عشرات التحيات، ثم لا تمنح إنسانًا واحدًا إصغاءً كاملًا.
ليس كل من وصل إلينا قد التقانا.
وليس كل من سمع أصواتنا قد أصغى إلينا.
وليس كل من جلس معنا حضر معنا.
وهنا يصبح القرب نفسه بحاجة إلى تعريف جديد.
فقد يكون أبعد إنسان عنك هو الذي لا تعرف أين يعيش.
وقد يكون أبعد منه:
من تعرف على أي مقعد يجلس، ولا تعرف ما الذي يحدث في قلبه.
ما نورثه بلا وصية
وربما يكون الأثر الأخطر هو ذلك الذي لن يظهر فينا وحدنا.
الأطفال لا يرثون منا أسماءنا وملامحنا وأموالنا فقط.
يرثون أشياء لم نكتبها في الوصية:
طريقة حديثنا.
طريقة غضبنا.
طريقة اعتذارنا.
وطريقة حضورنا.
فالطفل الذي يرى الكبار يتجاورون دون أن يتلاقوا لا يحتاج إلى درس يشرح له كيف يغيب الإنسان وهو حاضر.
المشهد يعلّمه.
وهكذا يستطيع الغياب أن ينتقل من جيل إلى جيل دون أن يسافر أحد.
نخشى أن نورث أبناءنا دينًا يثقلهم، وربما ينبغي أن نخشى أن نورثهم شيئًا آخر:
غيابًا لا يعرفون أنه غياب؛ لأنهم وُلدوا داخله.
فالعادة الأخطر ليست دائمًا التي نعرف أنها خاطئة.
إنها التي تتكرر طويلًا حتى يظنها أبناؤنا شكل الحياة الطبيعي.
أن يعود الحاضرون
لا أكتب هذا حنينًا إلى زمن مضى، ولا دعوة إلى خصومة مع التقنية.
فالمشكلة أعمق من جهاز، وأوسع من تطبيق، وأقدم من أن يحلها زر إغلاق.
إنها مسألة إنسان.
أن نستعيد قدرتنا على أن نكون حيث نحن.
أن ننظر عندما يحدثنا أحد.
أن نصغي إلى الحكاية التي نعرف نهايتها؛ لأن صاحبها يحب أن يحكيها.
أن نمنح الطفل دقيقة تبدو لنا صغيرة، وقد تصبح في ذاكرته عمرًا.
وأن نتذكر أن بعض الذين نحبهم لا يحتاجون إلى مزيد من وسائل الوصول إلينا.
يحتاجون أن يجدونا عندما يصلون.
وكتبت يومًا:
«ليت الغياب يغيب»
وكان للعبارة غائبها وحكايتها، لكن معناها يبدو لي اليوم أوسع من الغائب الذي قيلت فيه.
فماذا لو كان الذي نحتاج إلى غيابه فعلًا هو الغياب نفسه؟
ذلك الذي يستطيع أن يجلس بين أب وابنه تحت سقف واحد، وبين صديقين على مقعدين متجاورين، وبين أسرة اجتمعت ولم تلتقِ.
ربما لا نحتاج دائمًا إلى عودة الغائبين.
أحيانًا نحتاج أن يعود الحاضرون.
فالغياب لم يعد يحتاج إلى سفر.
والفقد لا يبدأ دائمًا برحيل.
وأقسى المسافات قد تنشأ بين شخصين لا يفصل بينهما سوى مقعد.
ولهذا ربما لم يعد السؤال الأهم في بعض بيوتنا ومجالسنا:
من الغائب؟
هناك سؤال أشد إيلامًا:
من الحاضر فعلًا؟
فالبيوت لا تصبح عامرة بكثرة من فيها.
والمجالس لا تجتمع لأن المقاعد امتلأت.
والإنسان لا يحضر لمجرد أن جسده وصل.
لقد تعلّم الغياب كيف يحضر.
وربما آن لنا، قبل أن نفتقد بعضنا ونحن ما زلنا معًا، أن نتعلّم نحن أيضًا شيئًا ظنناه يومًا فطريًا:
أن نحضر.