أنس تشكالا
في كل صباح، كان الرجل يمر من الطريق نفسه في طريقه إلى عمله، يخرج من منزله في الوقت نفسه تقريبًا، يعبر الشارع، يمر بالمقهى الصغير عند الزاوية، ثم يستقل سيارته. وفي أحد الأيام، توقفت شجرة قديمة كانت تقف على الرصيف منذ سنوات عن الوجود. قُطعت في ساعات الصباح، وحين مرّ الرجل من المكان في اليوم التالي، شعر بأن شيئًا ما قد تغيّر. توقف للحظة. نظر إلى المكان الفارغ، ثم تذكر أنه كان يرى تلك الشجرة كل يوم. الغريب أنه لم يتذكر آخر مرة نظر إليها فيها. كان يراها، نعم، لكنه لم يكن يراها حقًا.
ربما هذه واحدة من أكثر المفارقات هدوءًا في حياتنا: أن تكون الأشياء أمام أعيننا باستمرار، ومع ذلك تمر أيام طويلة دون أن ننتبه إليها. نرى الطريق نفسه، والوجوه نفسها، والبيوت نفسها، والأشخاص الذين نحبهم، لكن كثرة رؤيتنا لهم قد تجعلهم جزءًا من خلفية المشهد، لا جزءًا من وعينا. نحن لا نفتقد دائمًا القدرة على النظر، وإنما نفتقد القدرة على الانتباه.
فالإنسان يستطيع أن يمر بعشرات الأشياء في يوم واحد دون أن يمنح أيًا منها لحظة حقيقية من حضوره. قد يجلس إلى مائدة مع أسرته، لكنه يكون منشغلًا بشيء في هاتفه. قد يتحدث إليه شخص قريب، لكنه يفكر في جواب قبل أن يسمع الكلام كاملًا. وقد يمر بجانب عامل يعرف وجهه منذ سنوات، دون أن يخطر له أن لهذا الوجه قصة وحياة وأحلامًا لا يعرف عنها شيئًا. نحن نرى الوجوه، لكن هل نرى أصحابها؟ نسمع الأصوات، لكن هل نصغي إليها؟ نعبر الأماكن، لكن هل نعيشها؟
ربما كان الاعتياد أحد أكثر الأشياء قدرة على إخفاء العالم عنا. حين نرى الشيء للمرة الأولى، ننتبه إلى تفاصيله: شكله، لونه، صوته، حضوره. لكن مع التكرار يصبح مألوفًا، وما يصبح مألوفًا يتوقف العقل عن منحه القدر نفسه من الانتباه. وهكذا تتحول الأشياء من مشاهد نلاحظها إلى خلفيات نمر من خلالها. ولهذا قد لا يكون الجديد دائمًا أكثر إثارة من القديم، وإنما أكثر قدرة على استدعاء انتباهنا. نحن لا نكتشف قيمة بعض الأشياء عندما تفقد فقط؛ أحيانًا نكتشف وجودها عندما نمنحها انتباهًا لم نمنحه لها من قبل.
كم من شخص نعرفه منذ سنوات، لكننا لم نسأله يومًا عن الشيء الذي يخيفه؟ كم من مكان نمر به باستمرار، لكننا لم نلاحظ تفاصيله إلا عندما جلسنا فيه بهدوء؟ كم من صوت اعتدنا سماعه حتى لم نعد ننتبه إلى أنه كان جزءًا من حياتنا؟ حتى أنفسنا قد تكون من الأشياء التي نراها ولا نراها. نعيش مع ذواتنا كل يوم، ومع ذلك قد تمر سنوات دون أن نتوقف لنسأل: ماذا تغير في داخلي؟ ما الذي أريده فعلًا؟ لماذا أصبحت بعض الأشياء تعنيني وأخرى لا؟ ومتى تحولت بعض أحلامي إلى مجرد عادات؟ نحن بارعون في مراقبة العالم من حولنا، لكننا لسنا دائمًا بارعين في مراقبة أنفسنا.
ولعل المشكلة أن الحياة الحديثة لا تمنحنا نقصًا في الأشياء، بل فائضًا منها. صور كثيرة، أخبار كثيرة، أصوات كثيرة، رسائل كثيرة، ومعلومات تتدفق بلا توقف. وكلما ازدادت الأشياء التي تطالب بانتباهنا، أصبح من الصعب أن نمنح أي شيء انتباهًا كاملًا. ننظر إلى الشاشة، ثم إلى الطريق، ثم إلى الساعة، ثم إلى رسالة جديدة، ثم إلى خبر آخر. نرى الكثير، لكننا نعيش القليل منه بعمق.
وربما لهذا أصبح الانتباه نفسه قيمة نادرة. أن تجلس مع شخص دون أن تنظر إلى هاتفك. أن تستمع إلى حديثه دون أن تفكر في شيء آخر. أن تمشي في شارع تعرفه منذ سنوات، وتحاول أن تراه كأنك تراه للمرة الأولى. أن تقرأ صفحة واحدة ببطء، لا لأنك لا تستطيع قراءة عشر صفحات، بل لأنك تريد أن تمنح الصفحة حقها من الحضور. قد تبدو هذه الأشياء بسيطة، لكنها تعيد إلينا شيئًا نفقده دون أن نشعر: القدرة على أن نكون حيث نحن. فليس كل ما نراه يدخل إلى وعينا، وليس كل ما يدخل إلى وعينا يترك أثرًا. هناك فرق بين أن تقع الصورة على العين، وأن يصل معناها إلى الداخل.
وربما لهذا لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى أن يذهب إلى مكان جديد كي يشعر بأنه يعيش شيئًا جديدًا. أحيانًا يكفي أن ينظر إلى المكان القديم بعين جديدة. قد تكون الشجرة التي لم نلتفت إليها طوال سنوات ما زالت موجودة. وقد يكون الشخص الذي اعتدنا حضوره لا يزال يجلس إلى جوارنا. وقد تكون التفاصيل التي نظنها عادية هي نفسها التفاصيل التي ستصبح، ذات يوم، أكثر ما نفتقده. لكن السؤال الأهم ليس: ماذا سنفقد؟ بل: ماذا لا نراه الآن؟ ربما في حياتنا أشياء كثيرة تستحق أن تُرى قبل أن تصبح ذكرى، وأشخاصًا يستحقون أن ننتبه إليهم قبل أن يصبح حضورهم غيابًا، ولحظات تمر بنا في هدوء لأننا منشغلون بانتظار لحظة أخرى.
وفي النهاية، قد لا تكون الحياة فقيرة كما نظن، وربما نحن الذين نعبرها بسرعة أكبر مما ينبغي. فبعض الأشياء لا تحتاج إلى أن تتغير كي نكتشف جمالها، ولا تحتاج إلى أن تختفي كي نعرف قيمتها. تحتاج فقط إلى أن نراها. فقد تكون أكثر الأشياء حضورًا في حياتنا هي أكثرها غيابًا عن انتباهنا؛ وحين نتعلم أن ننظر حقًا، قد نكتشف أن العالم الذي كنا نبحث عنه في أماكن بعيدة... كان أمام أعيننا طوال الوقت.