د. سجى عارف
في حوار مع دكتور قدير تناولنا الأسس والمعايير الرسمية التي تعتمد عليها الصحافة والإعلام السعودي، ناقشنا أهمية وجود ستايل بوك سعودي تقوده وزارة الإعلام أو إحدى الهيئات التابعة لها، كيف لا.. ونحن اليوم نخوض سباق التحدي نحو العالمية في ظل خطى واسعة تتحرك فيها السعودية لبناء منظومة إعلامية حديثة تحتاج إلى عمود فقري يكون مرجعًا وأساسًا يقود غرف الأخبار ويوحد لغة المؤسسات ويضع معيارًا ثابتًا ويُحدث دوريًا وفق متطلبات العصر.
فالإعلام السعودي رغم تطوره المؤسسي والتقني، ما زال يعمل حتى 2026 وفق عُرفٍ مهني، وكل مؤسسة تعتمد دليلًا داخليًا خاصًا بها وفق سياستها التحريرية ولا يعني ذلك أنه مكتوب أو موثّق ولكن قد يكون عرفًا سائدًا بها، وكل غرفة أخبار تصوغ لغتها وفق خبراتها المتراكمة، دون وجود مرجع وطني واحد يحدد قواعد الكتابة ويضبط المصطلحات ويقود الصياغة الصحفية، في زمن تتسارع فيه التقنيات وتتغير فيه أدوات التأثير الإعلامي.
هذا الفراغ التنظيمي لا يعود إلى غياب الوعي، بل إلى تاريخ طويل من اللامركزية التحريرية، فالوزارة تُنظم، والهيئات تُراقب، والمؤسسات تُنتج، لكن لا توجد جهة تتجرأ على قيادة مسار توحيد المعايير التحريرية خاصة مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى غرف الأخبار، وأصبح هذا الغياب أكثر وضوحًا وأكثر تأثيرًا على جودة المحتوى، وعلى قدرة الإعلام السعودي على المنافسة عالميًا.
وجود Stylebook سعودي ليس ترفًا مهنيًا، بل ضرورة وطنية فهو يضمن أن تتحدث المؤسسات الإعلامية بلغة واحدة، وأن تُكتب الأخبار وفق قواعد واضحة، وأن تُستخدم المصطلحات الرسمية للدولة دون اختلاف بين صحيفة وأخرى، وهو الذي يُمكن الجامعات من تعليم الطلبة وفق معيار وطني موحد، ويُتيح للمؤسسات بناء أنظمة تحريرية آلية لغرف أخبار تعتمد على لغة موحدة، ويمنح الذكاء الاصطناعي قدرة أكبر على فهم السياسة الإعلامية السعودية ومعالجتها.
إن غياب هذا الدليل يخلق تفاوتًا كبيرًا في جودة المحتوى، ويجعل بعض المؤسسات تعمل بمعايير متقدمة، بينما تبقى أخرى أسيرة أساليب تقليدية، كما يُضعف القدرة على بناء محتوى دولي قادر على تمثيل السعودية في منصات عالمية، ويحد من فعالية القوة الناعمة السعودية التي تعتمد على خطاب إعلامي موحّد قوي وواضح ودقيق.
واليوم ومع التحول الوطني الكبير في الإعلام ومع صعود المؤسسات الصحفية إلى مرحلة جديدة من التنافسية، يُصبح من الضروري أن تتقدم جهة وطنية لقيادة هذا المسار، جهة تمتلك القدرة على جمع الخبراء وتوحيد الرؤية وصياغة دليل تحريري سعودي حديث يضم قواعد الكتابة الصحفية ومعايير التحقق والمصطلحات الرسمية وأساليب التغطية والبروتوكولات الإعلامية، وقواعد المحتوى الرقمي، ومنهجيات صحافة البيانات والذكاء الاصطناعي.
إن إصدار Stylebook السعودية للصحافة والإعلام ليس مشروعًا تنظيميًا فحسب، بل مشروع وطني يُعيد تشكيل هوية الإعلام السعودي، ويمنحه لغة موحدة ويضعه في موقع متقدم بين الإعلام العالمي، وهو خطوة تنتظرها المؤسسات العاملة في المجال، وتحتاجها الجامعات، ويعتمد عليها المستقبل المهني للصحافة السعودية.
ومن هذا المنطلق، ندعو وزارة الإعلام وهيئاتها إلى تبني هذا الدليل السعودي للصحافة والإعلام لنوحِّد الكلمة والرسالة ضمن هويتنا السعودية ووفق مستهدفات رؤيتنا الطموحة لنعلو بإعلامنا ونصنع جيلاً مهنياً يعتمد على أدلة رسمية لا عرفاً عاماً.