رمضان جريدي العنزي
إذا لم يكن صفوُ الودادِ طبيعةً
فلا خيرَ في وُدٍّ يجيءُ تكلُّفًا
ففي الناسِ أبدالٌ، وفي التركِ راحةٌ
وفي القلبِ صبرٌ للحبيبِ ولو جفا
ليست كل خسارة خسارة، ولا كل رحيلٍ وجعًا؛ فبعض الغيابِ نجاة، وبعض الفراقِ استردادٌ لشيءٍ من اتزان الروح. وقد يخرج من حياتك إنسان، فتكتشف بعد رحيله أن الذي كنت تظنه فراغًا لم يكن إلا مساحةً استعادت فيها نفسك مكانها، فليس كلُّ من أحببناه جديرًا بأن نبقيه، ولا كلُّ من ألفنا حضوره يستحق أن نُبقي له موضعًا في حياتنا، هناك أناس إذا اقتربوا أثقلوا القلب، وإذا ابتعدوا تنفّس الصدر، وكأن الرحيل لم يكن فقدًا، بل رفعًا لحِملٍ طال حمله، والود الذي يحتاج إلى استجداءٍ كي يبقى، ليس ودًّا، والعلاقة التي لا تقوم إلا على الملاحقة والعتاب وكثرة التبرير، علاقة تستنزف صاحبها أكثر مما تمنحه، فما أجمل أن يأتي الود عفويًّا، وأن يكون الحضور رغبةً لا واجبًا، والقربُ محبةً لا مجاملة، وأن يشعر المرء أنه مُختارٌ لا مُحتمل، وقد يتأخر الإنسان في إدراك هذه الحقيقة؛ فيتشبث بمن لا يتشبث به، ويعتذر عمّا لم يفعله، ويبرر لمن لا يريد أن يفهم، ويمنح الفرص تلو الفرص، حتى ينسى أن كرامته ليست ثمنًا لعلاقة، وأن راحة قلبه ليست شيئًا ينبغي أن يفاوض عليه، إن من عرف قدر نفسه، لم يتسوّل بقاء أحد، ولم يركض خلف هارب، ولم يجعل من كرامته جسرًا يعبر عليه من شاء ثم يمضي. يعرف أن المحبة الحقيقية لا تُنتزع بالقوة، وأن من أرادك وجد إليك طريقًا، ومن آثر البعد فلن تنفعه ألف يدٍ تمتد إليه، وليس معنى الصبر على الحبيب أن تهون على نفسك من أجله، ولا أن تقبل الهجر والإهمال والانتقاص باسم الوفاء؛ فالصبر خلق، أما إهدار الكرامة فليس وفاءً، وإنما ضعفٌ يرتدي ثوب المحبة، لذلك، لا تأسَ على بابٍ أُغلق، فقد يكون خلفه بابٌ أوسع، ولا تحزن على علاقة انتهت، فقد تكون نهايتها بدايةً لسلامٍ طال انتظاره، ولا تظن أن غياب بعض الناس نقص في حياتك، فثمة غياب يترك وراءه فراغًا، وثمة غيابٌ يترك وراءه راحة، وفي الحياة مرحلةٌ ينبغي للمرء أن يبلغها، فيدرك أن كثرة الناس حوله ليست دليلًا على غناه، وأن قلة من يبقون بصدق خيرٌ من جمعٍ كبيرٍ لا يجتمع إلا على المصلحة، عندها لا يعود يفتش عن كثرة الوجوه، بل عن صدق القلوب، ولا يقيس العلاقات بطولها، بل بما تركته فيه من طمأنينةٍ وكرامة، فبعض الناس نحبهم، ثم نكتشف أنهم لم يكونوا أهلًا لكل ذلك الحب؛ وبعضهم نفقدهم، ثم نكتشف أن فقدهم كان أول الطريق إلى أنفسنا، فلا تطارد من اختار الرحيل، ولا تستوقف من استهان بالحضور، ولا تمح عتابك لمن لم يحفظ مقامه في قلبك، دع بعض الأبواب تُغلق بصمت، وبعض الوجوه تمضي بلا وداع، فليس كل راحلٍ يستحق أن يُستعاد، ولا كل مفقودٍ يستحق أن يُفتقد، وأقسى ما يمكن أن تُناله ممن أساء إليك، ألا تنتقم منه، ولا تكرهه، ولا تعاتبه، بل تمضي في حياتك حتى يصبح غيابه أمرًا لا يعنيك، وذكره شيئًا لا يهزّ فيك قلبًا ولا خاطرًا، فبعض الناس لا تكون نهايتهم من حياتك خسارةً لهم فحسب، بل اكتشافًا متأخرًا منك أن وجودهم كان هو الخسارة.