د. رنا بنت عبدالله الغامدي
لم تكن زيارة منطقة القصيم من ضمن خططي المسبقة لعطلة نهاية الأسبوع الماضية، ولا حتى ضمن تلك القائمة الطويلة التي احتفظ بها للمدن التي أقول لنفسي أنني سأزورها في المستقبل القريب. لكني وجدت نفسي استقل الطائرة وأتوجه إليها لحضور منافسات البطولة المفتوحة لرفع الأثقال للهيئات والماسترز للرجال والسيدات وذلك بحكم عضويتي في لجنة اللاعبين باللجنة السعودية لرياضة الأساتذة.
وكانت مناسبة رياضية جميلة، احتضنها نادي النجمة، وهي تجربة ملهمة، لكن الحديث عن البطولة طويل وهي تستحق أن أسهب في الحديث عنها، في مقال مستقل لاحقًا.
هبطت طائرتنا في مطار الأمير نايف بن عبدالعزيز الدولي، بوابة القصيم الجوية في بريدة، واستقبلتنا النسمات الحارة؛ فالجو لم يكن قد اعتدل بعد. ثم اتجهنا إلى عنيزة والتي يُنسب إلى الكاتب والرحالة أمين الريحاني إطلاق لقب (باريس نجد) عليها بعد زيارته لها قبل نحو قرن.
ولم تفارق عيناي النافذة، وقد ذكرني المشهد بالطريق بين مكة وجدة، إلا أن المسافة كانت أقصر، والأفق مختلف فالمزارع والنخيل بملامحهما الخضراء ممتدة ببهاء وجمال.
استغللت وقت فراغي في المساء، وخرجت إلى عدد من المزارع والوجهات الريفية، وهنا بدأت تتكون لدي الصورة لأحد مظاهر حياة المزارع وبساتين النخيل في القصيم والتي تختلف عما اعتدته في الغربية. بين أشجار النخيل هناك أسرٌ سعيدة تجلس في الهواء الطلق في مقاهٍ عصرية، أطفال يركضون في المساحات الواسعة، شباب مهذبون يديرون المقاهي والمطاعم بثقة ولطف، جلسات جميلة تعبت وأنا اختار مجلسي بينها حتى استقر الاختيار على أحد مقاهي جادة النخل، لأقضى أمسية لطيفة الأجواء برفقة شاي خادر معطر وقِطةٍ فضولية غفت عند قدمي.
في المدن الكبيرة، عندما نخرج في المساء سواء مع العائلة آو للقاء الأصدقاء، نكتشف أننا نقضي نصف الوقت في الطريق في خضم الازدحام المروري، والنصف الآخر نراقب الساعة أو نرد على رسائل العمل، وعندما نعود إلى المنزل نشعر وكأننا أنجزنا المهمة المستحيلة. أما في عنيزة، فإن الناس يأخذون وقتهم في الوصول بدون استعجال أو وقفات متململة من نفاد الصبر.
وهذا النوع من الهدوء لا يعني أن عنيزة أقل حيوية، من المدن الكبرى، بل يعني أن هناك جودة ورفاهية للحياة اليومية تترك لسكانها ولمرتاديها الوقت ليعيشوا يومهم باسترخاء ويتمتعوا بكل تفاصيله البسيطة.
من الوقفات الجميلة في رحلتي زيارتي لسوق المسوكف الشعبي، ومتحف بيت البسام. بطابعهم النجدي الذي يمنح الزائر فرصة لرؤية الجانب التاريخي والتراثي العريق للمنطقة. وكان من المؤسف أن الوقت لم يسعفني لقضاء وقت مماثل في مدينة بريدة الجارة القريبة لعنيزة والتي سمعت أنها لا تقل عنها بهاء وجمالاً، لكني سأنتهز أي فرصة مستقبلية لتحقيق هذه الرغبة.
غادرت القصيم ومعي ذكريات جميلة عن سوقها، ومزارعها، وحضورها الثقافي، والتجاري. كنت احتاج فعلاً إلى هذه الرحلة لكي أتذكر أن الحياة لا يجب أن نعيشها دائمًا على وضع الاستعجال، وأن في وطني مدنًا جميلة ومختلفة، لكل واحدة منها إيقاعها وحكايتها وملامحها التي تستحق أن نمنحها فرصة للزيارة والاكتشاف. ومع اعتدال الأجواء قريباً، أنصح بزيارة القصيم؛ واحة نجد الهادئة، للتمتع بأجوائها البديعة وتجربة ما تمنحه مزارعها ومدنها من إيقاع مختلف للحياة.