صالح القبلان
ليست الحكمة في أن تعرف ماذا تقول فقط، بل أن تعرف لمن تقول، ومتى تقول، وكيف تقول. فمخاطبة الناس ليست قالبًا واحدًا يصلح للجميع؛ لأن العقول تتفاوت، والشخصيات تختلف، وطريقة فهم الكلام وتفسيره تتباين من شخص إلى آخر.
قبل أن تخاطب أحدًا، تعرّف على عقليته وطريقة تفكيره، واختر من الألفاظ والجمل والعبارات ما يتناسب مع مستوى فهمه وشخصيته. فالكلمة الواحدة قد تصل إلى شخص باعتبارها نصيحة، بينما يفسرها آخر على أنها انتقاد أو إساءة، والعبارة نفسها قد تفتح بابًا للحوار عند إنسان، وتشعل بابًا للجدال عند آخر. ولهذا قيل: خاطب الناس على قدر عقولهم، ولا تخاطبهم على قدر عقلك أنت.
ومن أكثر المواقف التي تحتاج إلى حكمة في التعامل، الحوار مع الشخص المتعصب أو العاطفي، خصوصًا من اعتاد إطلاق الاتهامات الباطلة، أو قرأ الكلام من زاوية واحدة، أو جعل قناعته الشخصية معيارًا للحقيقة.
في مثل هذه الحالات، ليس كل نقاش يستحق أن تخوضه، وليس كل اتهام يحتاج إلى رد، وليس كل شخص يمكن إقناعه مهما قدمت له من الأدلة والبراهين. أحيانًا يكون الانسحاب من الجدال أكثر حكمة من الاستمرار فيه، لأن بعض الحوارات لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن الانتصار للرأي.
العاقل لا يقيس نجاحه في الحوار بعدد الكلمات التي قالها، وإنما بقدرته على إيصال الفكرة دون أن يحولها إلى خصومة. يعرف متى يتحدث، ومتى يصمت، ومتى يشرح، ومتى يكتفي، ويدرك أن رفع الصوت لا يجعل الحجة أقوى، وأن كثرة الاتهامات لا تصنع حقيقة.
فالاختلاف في الرأي لا يعني اختلافًا في الاحترام، والنقاش الراقي لا يحتاج إلى تجريح، والحوار الناجح لا يقوم على الانتصار للذات، بل على الوصول إلى الحقيقة.
إن فن مخاطبة العقول من أرقى فنون التواصل؛ أن تعرف الشخص الذي أمامك، وتفهم طريقته في التفكير، ثم تختار المدخل المناسب إليه. فالكلمة الحكيمة قد تغيّر قناعة، والعبارة الجارحة قد تغلق عقلًا كان مستعدًا للاستماع.
وفي النهاية، ليست كل العقول تُفتح بالمفتاح نفسه، وليست كل الآذان تسمع بالطريقة ذاتها؛ لذلك كان من الحكمة أن تخاطب كل إنسان بما يناسب عقله، لا بما يناسب عقلك أنت.