د. حسين علي غالب بابان
أعلنت مصادر وتقارير حديثه عن ظاهرة لافتة تتمثل في شراء كميات ضخمة من الكتب، ولا سيما الكتب الأكاديمية والمراجع المتخصصة والأعمال التي يصعب العثور على نسخ رقمية منها، بهدف استخدامها في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، وعندما قرأت هذه الأخبار للمرة الأولى توقعت أن يكون الهدف هو جمع هذه الكتب وحفظها في مكتبات أو مستودعات خاصة باعتبارها ثروة معرفية يمكن الاستفادة منها في المستقبل. لكن الواقع أكثر غرابة من ذلك.
في بعض الحالات أصبحت الكتب نفسها مجرد مصدر للبيانات، تُشترى النسخ المطبوعة بكميات كبيرة، ثم تُنقل إلى منشآت متخصصة حيث تُستخدم أجهزة مسح عالية السرعة لتحويل صفحاتها إلى ملفات رقمية يمكن للحواسيب قراءتها وتحليلها، وفي عمليات تُعرف باسم «المسح الاتلافي»، قد تُزال أغلفة الكتب وتجليداتها وتُمرر الصفحات عبر أجهزة المسح بسرعة كبيرة ثم تُتلف النسخ الورقية بعد الانتهاء منها، وقد كشفت وثائق قضائية وتقارير صحفية عن تنفيذ مثل هذه العمليات على نطاق هائل، بما في ذلك شراء ملايين الكتب لاستخدام محتواها في تدريب نماذج للذكاء الاصطناعي.
الأمر المثير للتأمل هو أن الكتاب الذي كان يُنظر إليه لقرون باعتباره وعاءً للمعرفة، قد يتحول في عصر الذكاء الاصطناعي إلى مجرد «مادة خام للبيانات»، فالهدف لم يعد الاحتفاظ بالكتاب بوصفه كيانًا ماديًا وإنما استخراج النص والمعلومات منه وتحويلها إلى بيانات رقمية تستطيع الخوارزميات معالجتها والاستفادة منها.
هذه الفكرة صادمة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بكتب نادرة أو أبحاث جامعية قديمة لا توجد منها إلا نسخ محدودة، لذلك يثير هذا الاتجاه أسئلة مهمة حول حقوق المؤلفين وحماية التراث العلمي والثقافي والحد الفاصل بين رقمنة المعرفة والمحافظة عليها من جهة واستهلاك مصادرها الأصلية وإتلافها من جهة أخرى.
لا أحد يستطيع أن يتنبأ بدقة إلى أين ستصل هذه المنافسة، فشركات الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى كميات متزايدة من البيانات عالية الجودة، ولا يكفيها بالضرورة المحتوى السطحي المنتشر على الإنترنت، ولهذا أصبحت الكتب والأبحاث والمصادر العلمية القديمة ذات قيمة متزايدة لأنها تحتوي على نصوص بشرية طويلة ومنظمة وذات محتوى متخصص.
ربما يكون السؤال الحقيقي للمستقبل ليس، كم كتابًا تستطيع الآلات قراءته، بل كمًّا من المعرفة الإنسانية سنحتاج إلى رقمنته قبل أن يصبح الوصول إلى المصادر الأصلية نفسها أمرًا نادرًا..!
** **
- أكاديمي وكاتب كردي مقيم في بريطانيا