د. سطام بن عبدالله آل سعد
نتحدث كثيرًا عن الاستدامة في المشروعات الكبرى والمدن الجديدة والشركات الضخمة، بينما يُستهلك الماء والكهرباء وتُنتج النفايات كل يوم في آلاف المطاعم والمقاهي والمغاسل والورش والمتاجر والفنادق. وإذا أردنا أن تتحول الاستدامة من إستراتيجية وطنية إلى ممارسة يومية، فإن الطريق يمر من هذه المنشآت التي نتعامل معها كل صباح ومساء.
من هنا يمكن التفكير في تطبيق «رخصة الاستدامة» على بعض الأنشطة التجارية في المملكة، وفق طبيعة كل نشاط ومستوى استهلاكه للموارد وما ينتجه من مخلفات. فمغاسل السيارات ترتبط باستهلاك المياه، والمطاعم بهدر الطعام والعبوات، والمتاجر الكبرى بالطاقة والتبريد، والورش بالزيوت والمخلفات. لذلك ينبغي أن تختلف متطلبات الاستدامة من نشاط إلى آخر، وأن تركز على الجوانب الأكثر تأثيرًا في كل نشاط.
وفي المملكة توجد بالفعل بنية تنظيمية يمكن البناء عليها؛ فمنصة «بلدي» تربط الأنشطة التجارية باشتراطاتها البلدية بحسب طبيعة كل نشاط، فيما يصنف المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي الأنشطة وفق مستوى أثرها البيئي، إلى جانب برامج وطنية تعنى بكفاءة استخدام الطاقة. لذا فالفكرة لا تبدأ من فراغ، وإنما تقوم على توحيد هذه الجوانب في إطار مبسط يقيس أداء المنشأة في استهلاك الموارد وإدارة المخلفات.
ويبرز هنا تحدٍ مهم؛ فصاحب المنشأة يستطيع اليوم معرفة ما إذا كان مستوفيًا للاشتراطات النظامية، لكنه لا يملك بالضرورة مؤشرًا واضحًا يبين مستوى كفاءة منشأته في استخدام الموارد. هل استهلاك الماء مرتفع مقارنة بمنشأة مشابهة؟ هل يمكن خفض فاتورة الكهرباء؟ ما حجم الهدر؟ وهل أداء المنشأة يتحسن عامًا بعد عام؟ هنا يظهر الفرق بين الامتثال والاستدامة؛ إذ يتحقق الامتثال من استيفاء الشرط، بينما تقيس الاستدامة جودة استخدام الموارد وكفاءته.
ولهذا يرتبط نجاح الفكرة بطريقة تطبيقها. فإذا أضيفت كرخصة مستقلة برسوم وإجراءات جديدة، فقد تتحول إلى عبء تنظيمي على المستثمر. والأفضل دمجها ضمن الرخصة البلدية القائمة، أو تقديمها في صورة «تصنيف وطني لاستدامة المنشآت التجارية» يقيس أداء المنشأة ويظهر مستواها بوضوح، دون إضافة مسار تنظيمي جديد.
ولا يلزم أن يشمل التطبيق جميع الأنشطة منذ البداية، بل يمكن البدء بالقطاعات الأعلى استهلاكًا للمياه والطاقة أو الأكثر إنتاجًا للمخلفات، مثل مغاسل السيارات والملابس، والمطاعم والمقاهي، والفنادق، والمتاجر الغذائية الكبرى، والورش. ويخصص لكل نشاط عدد محدود من المؤشرات المرتبطة بطبيعته؛ ككفاءة استخدام المياه في المغاسل، وهدر الطعام والطاقة في المطاعم، وكفاءة التبريد والتعامل مع الفائض في المتاجر الغذائية، وإدارة الزيوت والمخلفات في الورش.
وينبغي أن يعتمد التصنيف على بيانات قابلة للقياس والتحقق، مثل استهلاك المياه والكهرباء، ومساحة المنشأة، وحجم النشاط، وكميات المخلفات، لتكوين خط أساس يمكن مقارنة الأداء به لاحقًا. وكلما نجحت المنشأة في خفض استهلاكها وتحسين إدارة مخلفاتها ورفع كفاءتها التشغيلية، ارتفع تصنيفها. وبهذا تتحول الاستدامة إلى أداء يمكن قياسه، لا إلى وصف تسويقي عام.
ويمكن أن يكون التصنيف بسيطًا وواضحًا، على شكل مستويات أو نجوم تظهر على الرخصة وواجهة المنشأة، مع رمز رقمي يتيح التحقق من نتيجة التقييم. وبذلك يعرف المستهلك أن التصنيف يستند إلى معايير وأداء فعلي، ويحد ذلك من استخدام الاستدامة كأداة تسويقية من دون نتائج قابلة للقياس.
ويبقى الحافز الاقتصادي عاملًا مهمًا في نجاح التطبيق؛ فالمنشأة التي تتحمل تكلفة تحديث معداتها أو تقليل الهدر تحتاج إلى مقابل يشجعها على الاستمرار. ويمكن ربط التصنيف بمزايا مثل تخفيض بعض الرسوم، أو منح أفضلية في الفرص الاستثمارية البلدية، أو توفير برامج تمويل لتحديث المعدات. وعندها ترتبط الاستدامة بعائد اقتصادي مباشر، من خلال خفض التكاليف وتحسين الكفاءة التشغيلية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تتناسب المتطلبات مع حجم المنشأة ومستوى أثرها. ومن ذلك أن المقهى الصغير لا يحتاج إلى دراسة استدامة معقدة، ويمكن تقييمه من خلال نموذج إلكتروني مبسط يعتمد على بيانات محددة، بينما تخضع المنشآت الأكبر أو الأعلى أثرًا لمتطلبات أكثر تفصيلًا. وبهذا يتحقق الهدف دون تحميل المنشآت الصغيرة أعباء لا تتناسب مع طبيعة نشاطها.
والأفضل أن يبدأ التطبيق بتجربة محدودة في مدينة أو مجموعة من الأنشطة لمدة عام، مع قياس مؤشرات واضحة قبل التطبيق وبعده، تشمل استهلاك المياه والكهرباء، وكميات المخلفات، والتكلفة على المنشأة، وحجم الوفر المتحقق. وعند ثبوت جدوى التجربة، يمكن التوسع فيها تدريجيًا لتشمل مدنًا وقطاعات أخرى.
الفكرة في النهاية لا تقف عند وضع لوحة «منشأة مستدامة» على واجهة محل؛ لكنها تسعى إلى تحويل الممارسات التشغيلية اليومية إلى أثر قابل للقياس على مستوى المدينة والدولة، من خلال تطبيق عمليات يومية مستدامة تسهم في الاستغلال الأمثل للموارد والحفاظ عليها مستقبلًا.