سعدون مطلق السوارج
الأزمات لا تصنع قوة الدول؛ إنها تكشف مقدار القوة التي صنعتها الدول قبل أن تأتي الأزمة.
وحين اضطرب أحد أهم ممرات التجارة والطاقة في العالم، لم تكن المملكة العربية السعودية أمام سؤال طارئ عن كيفية إيجاد البدائل، بقدر ما كانت أمام اختبار حقيقي لما راكمته عبر عقود من بناء البنية التحتية، وتنويع مسارات النقل والطاقة، وتطوير الموانئ والسكك الحديدية، وصناعة منظومة لوجستية قادرة على التعامل مع المتغيرات.
وهنا يصبح النظر إلى التجربة السعودية من لحظة الأزمة وحدها قراءة ناقصة؛ فالقصة بدأت قبل ذلك بزمن طويل، عندما أدرك الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، رحمه الله، أن بناء الدولة لا يكتمل بتوحيد الأرض وإرساء مؤسسات الحكم، بل يحتاج كذلك إلى بناء القدرة على الحركة والاتصال والنقل.
في أربعينيات القرن الماضي بدأت المملكة تشق طريقها نحو بنية نقل حديثة؛ فامتدت مشاريع الموانئ والسكك الحديدية، وبدأ العمل في خط سكة الحديد عام 1947، ثم افتتح خط الرياض–الدمام عام 1951. لم تكن تلك المشاريع مجرد منشآت خدمية، بل كانت جزءًا من تأسيس دولة تعرف أن اتساع الجغرافيا يحتاج إلى بنية تربط أطرافها، وأن الاقتصاد لا ينمو إلا إذا امتلك أدوات الحركة والوصول.
ومن هنا يمكن قراءة المسار السعودي باعتباره تراكمًا لا انقطاع فيه؛ فكل مرحلة أضافت إلى ما قبلها، وكل جيل من البناء الوطني ترك وراءه بنية أصبحت قاعدة لما بعدها. ومع مرور العقود، لم تعد القضية مجرد طرق وسكك وموانئ، بل أصبحت منظومة متكاملة تتداخل فيها الطاقة والتجارة والنقل والخدمات اللوجستية والمناطق الصناعية والمنافذ البحرية والجوية.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله، اكتسب هذا المسار زخمًا جديدًا، ومع رؤية المملكة 2030 بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، انتقلت الفكرة من تطوير قطاعات متفرقة إلى بناء منظومة اقتصادية ولوجستية أكثر تكاملًا، تجعل من موقع المملكة الجغرافي أصلًا اقتصاديًا واستراتيجيًا، وتضعها في قلب حركة التجارة بين ثلاث قارات.
وهنا جاءت الاستراتيجية الوطنية للنقل والخدمات اللوجستية لتترجم هذه الرؤية إلى مشاريع ومبادرات مترابطة، هدفها تعزيز مكانة المملكة كمركز لوجستي عالمي، وربط أنماط النقل المختلفة، ورفع كفاءة البنية التحتية، وتوسيع القدرة على استقبال حركة التجارة وإعادة توجيهها. فالموقع الجغرافي وحده لا يصنع مركزًا عالميًا؛ الذي يصنعه هو تحويل الموقع إلى شبكة من الخيارات.
وهذه هي الفكرة التي كشفتها اضطرابات هرمز بوضوح: القوة اللوجستية ليست أن تملك طريقًا مفتوحًا دائمًا؛ بل أن تملك طريقًا آخر عندما يُغلق الطريق الأول.
ولعل خط الشرق–الغرب يقدم أوضح صورة على ذلك. فقد أثبت هذا الشريان الاستراتيجي، الذي تصل طاقته إلى نحو سبعة ملايين برميل يوميًا، قيمته كأحد عناصر مرونة منظومة الطاقة السعودية، بعدما نجحت الجهود التشغيلية والفنية في أبريل 2026 في استعادة كامل طاقته بعد أن تأثرت بنحو 700 ألف برميل يوميًا جراء هجمات استهدفت منشآت في قطاع الطاقة. وأكدت وزارة الطاقة آنذاك أن سرعة التعافي عكست المرونة التشغيلية وكفاءة إدارة الأزمات في منظومة الطاقة السعودية، بما عزز موثوقية الإمدادات واستمراريتها للأسواق المحلية والعالمية.
ثم جاء التطور الجديد في العاشر من سبتمبر ليضع هذا الشريان أمام اختبار آخر؛ إذ أعلنت وزارة الطاقة أن خط الشرق– الغرب تعرض لاستهدافات متعددة في منطقتي الرياض والمدينة المنورة، وأنه أُوقف احترازيًا، فيما باشرت الفرق الطارئة والفنية أعمالها فورًا لتأمين الخط والتحقق من سلامته وفق إجراءات السلامة المعتمدة وخطط الطوارئ، مع تقديم الرعاية الطبية للمصابين. وهذه التفاصيل، قبل أي حديث عن النتائج التشغيلية اللاحقة، تحمل دلالة مهمة في ذاتها: الدولة التي تبني منشآتها الاستراتيجية تبني معها منظومة جاهزية قادرة على التعامل مع الطوارئ وفق إجراءات وخطط ومؤسسات متخصصة.
وهنا لا ينبغي أن تُقرأ البدائل السعودية باعتبارها وعدًا بإلغاء أثر الأزمات، فذلك غير واقعي؛ بل باعتبارها قدرة على المناورة وتقليل المخاطر وتوزيع الخيارات. فالدولة التي تملك طريقًا واحدًا تملك منفذًا؛ أما الدولة التي تبني شبكة من الطرق فتملك قرارها.
وإذا كان خط الطاقة يمثل أحد وجوه هذه المرونة، فإن الموانئ تمثل وجهًا آخر. ففي عام 2026 أضيفت إلى الموانئ السعودية خدمات ملاحية جديدة استجابة للمتغيرات التي فرضتها اضطرابات الملاحة في المنطقة، بما عزز الربط مع مسارات البحر الأحمر والممرات التجارية الدولية. ولم يكن ذلك تحركًا منفصلًا عن سياق طويل من تطوير الموانئ ورفع طاقتها وتوسيع ارتباطها بالشبكات العالمية، بل امتدادًا لمنظومة كانت تُبنى قبل الأزمة.
والأرقام هنا لا تحتاج إلى كثير من الشرح. فقد تعاملت الموانئ السعودية خلال عام 2025 مع أكثر من 8.3 مليون حاوية قياسية، فيما تجاوزت حاويات إعادة الشحن مليوني حاوية، وارتفع عدد المراكز اللوجستية الممكّنة لإعادة التصدير إلى 24 مركزًا في 2025، مقارنة بمركزين فقط في 2019. وهي مؤشرات تكشف انتقال المملكة من تطوير البنية إلى رفع قدرتها على أداء دور أكبر في حركة التجارة الإقليمية والدولية.
والسكك الحديدية تكمل الصورة من البر؛ ففي 2025 نقلت المنظومة أكثر من 30 مليون طن من المعادن والبضائع، وأكثر من 14 مليون مسافر، وأسهم النقل بالقطارات في الاستغناء عن نحو مليوني رحلة شاحنة، وتوفير 139 مليون لتر من الوقود، وخفض مئات الآلاف من الأطنان من الانبعاثات. وهذه ليست أرقام نقل فحسب، بل تعكس كيف يمكن للبنية التحتية حين تتكامل أن تتحول إلى أداة اقتصادية وبيئية ولوجستية في آن واحد.
وهكذا تبدو الصورة أوسع من هرمز نفسه. فالمملكة لا تبني قدراتها اللوجستية لكي تعبر أزمة بعينها، وإنما تبني اقتصادًا أكثر قدرة على الحركة في عالم تتغير فيه طرق التجارة باستمرار. وما يخدم السعودية في هذه المنظومة لا ينفصل عن خدمة محيطها؛ فكلما ازدادت قدرة المملكة على استيعاب حركة التجارة والطاقة وإعادة توجيهها، ازدادت قدرتها على الإسهام في استقرار سلاسل الإمداد الخليجية والإقليمية والعالمية.
وهذه ربما هي النقطة الأهم في قراءة التجربة السعودية: أن الإنجاز الحقيقي لا يظهر فقط عندما تسير الأمور كما هو مخطط لها، بل عندما تتغير الظروف وتظل الدولة قادرة على إدارة خياراتها.
لقد كان الملك عبدالعزيز يؤسس قدرة الدولة على الحركة، وتراكمت بعده البنية والمؤسسات والمشروعات، ثم جاءت رؤية المملكة 2030 لتمنح هذا التراكم اتجاهًا جديدًا نحو اقتصاد أكثر تنوعًا واتصالًا بالعالم.
الأزمة لم تصنع القوة اللوجستية السعودية؛ الأزمة كشفتها.
فالدول لا تُقاس فقط بما تملك من ثروات، وإنما بما تستطيع أن تصنعه من خيارات حين تضيق الطرق.
وحين اختبرت هرمز ما بنته السعودية، لم يكن الاختبار لطريق واحد، ولا لميناء واحد، ولا لمشروع واحد؛ كان الاختبار لعقود من الرؤية والبناء، ولمنظومة تتكامل فيها الطاقة مع النقل، والموانئ مع السكك الحديدية، والبنية التحتية مع المؤسسات، والرؤية مع القدرة على التنفيذ.
لم تكن المملكة تبني طرقًا للخروج من أزمات المستقبل؛ كانت تبني اقتصادًا لا يُختزل في طريق واحد.
** **
- باحث ومؤرخ في التراث الكويتي والخليجي