سليمان بن صالح المطرودي
قبل سبعة عشر عامًا كتبت مقالًا بعنوان (مديرو الدوام) انتقدت فيه نمطًا إداريًا يختزل الإدارة في الحضور والانصراف، ويقيس نجاح المدير بعدد الجولات التي يقوم بها، وعدد الموظفين الذين يضبطهم، وكمية دقائق التأخر التي يرصدها، أكثر مما يقيسه بما يحققه فريقه من نتائج.
مرت السنوات، وتغيرت الإدارة، وتغيرت معها بيئة العمل وأدواتها ومفاهيمها، دخلنا عصر التحول الرقمي، والبيانات، والذكاء الاصطناعي، والعمل المرن، وقياس الأداء، وتجربة الموظف، والحوكمة، وأصبحت المؤسسات تقاس بقدرتها على صناعة القيمة والأثر، لا بمجرد قدرتها على ضبط حركة موظفيها.
ومع ذلك، يبدو أن (مدير الدوام) لم ينقرض!
بل ربما حصل على نسخة رقمية أكثر تطورًا.
أصبح بإمكانه اليوم أن يستبدل الملف الورقي بلوحة تحكم إلكترونية، والقلم الأحمر بتقرير آلي، والجولة الميدانية بتنبيه فوري، لكنه يظل يمارس الفكرة القديمة نفسها: (مراقبة الموظف بدل إدارة العمل).
وهنا تكمن المشكلة.
فالتحول الرقمي لا يعني أن ننقل الإدارة القديمة إلى شاشة إلكترونية.
وإذا كانت التقنية قد غيرت أدوات الرقابة، فإنها يفترض أن تغير فلسفة الإدارة نفسها.
لم تعد الإدارة الحديثة تسأل فقط: من حضر؟ ومن تأخر؟ ومن خرج؟ وكم ساعة قضاها الموظف في مكتبه؟
بل تسأل أسئلة أكثر أهمية:
ماذا أنجز؟
ما جودة ما أنجز؟
هل حقق المستهدف؟
ما القيمة التي أضافها؟
وما الذي يحتاج إليه ليكون أكثر إنتاجية؟
هذه هي المسافة بين إدارة الحضور وإدارة الأداء.
ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن الحضور والانضباط الوظيفي أمران ثانويان، فالالتزام بالأنظمة وأوقات العمل مسؤولية مهنية، ولا يمكن لمؤسسة أن تنجح في ظل الفوضى أو غياب المساءلة.
لكن الخطأ يبدأ عندما تتحول وسيلة الانضباط إلى غاية الإدارة.
فالدوام وسيلة لتنظيم العمل، وليس هو العمل نفسه.
والبصمة وسيلة لإثبات الحضور، وليست مقياسًا للإبداع.
والتأخر دقائق لا يساوي بالضرورة ضعف الأداء، كما أن الجلوس ثماني ساعات في المكتب لا يعني بالضرورة ثماني ساعات من الإنتاج.
قد تجد موظفًا يملأ ساعات الدوام كاملة دون أن يحقق قيمة حقيقية، وقد تجد موظفًا آخر يحول ساعات عمله إلى نتائج وأفكار ومبادرات تتجاوز ما هو متوقع منه.
فأيّهما ينبغي أن تحتفي به الإدارة؟
هنا يظهر الفرق بين المدير الذي يراقب الموظف، والمدير الذي يقود المؤسسة.
المدير الحقيقي لا يخاف من الموظف المتميز، ولا يشعر أن نجاح الموظف ينتقص من سلطته؛ بل يدرك أن نجاح فريقه هو أعظم شهادة على نجاحه.
لا يحتكر المعرفة، بل ينشرها.
لا يصنع التابعين، بل يصنع القادة.
لا يستخدم السلطة لإثبات وجوده، بل يستخدمها لتمكين فريقه.
لا يبحث عن الخطأ ليعاقب صاحبه، بل يبحث عن سبب الخطأ ليمنع تكراره.
ولا يقيس هيبته بعدد الموظفين الذين يخافون منه، وإنما بعدد الموظفين الذين يثقون به ويثق بهم.
وهذا تحديدًا ما تحتاج إليه مؤسساتنا اليوم، ونحن نعيش مرحلة تاريخية من التحول في المملكة.
رؤية السعودية (2030) لم تأتِ لتغيير الإجراءات فقط، وإنما لتغيير طريقة التفكير في الإدارة والعمل والأداء، وبناء منظومة أكثر كفاءة ومرونة وقدرة على الابتكار والاستجابة.
وفي هذه البيئة الجديدة، لم يعد مقبولاً أن يكون المدير مجرد (حارس للدوام).
المطلوب مدير يفهم الأهداف، ويقرأ المؤشرات، ويستثمر البيانات، ويعرف كيف يوظف التقنية، ويكتشف المواهب، ويعالج التعثر، ويبني فرق العمل، ويخلق بيئة تجعل الموظف قادرًا وراغبًا في الإنجاز.
لقد أصبح لدينا اليوم أدوات تستطيع أن تخبر المدير خلال ثوانٍ عن مستوى الإنجاز، ومؤشرات الأداء، وجودة الخدمات، ومواطن التعثر، وحجم الأعمال.
فإذا كان المدير لا يزال يقضي معظم وقته في البحث عن موظف خرج خمس دقائق قبل نهاية الدوام، فربما تكون المشكلة ليست في الموظف!
ربما المشكلة في تعريف المدير لوظيفته.
فالمدير الذي يراقب الساعة طوال اليوم قد ينجح في ضبط الساعة، لكنه قد يفشل في ضبط البوصلة.
أما المدير الذي يعرف إلى أين يتجه فريقه، وكيف يصل إليه، وكيف يتعامل مع التحديات، وكيف يرفع قدرات موظفيه، وكيف يحول الموارد إلى نتائج؛ فهو الذي يصنع الفرق.
ومن أخطر آثار الإدارة القائمة على الرقابة المفرطة أنها قد تنتج موظفًا شديد الحرص على ألا يخطئ، بدل أن تنتج موظفًا شجاعًا في المبادرة والابتكار.
عندما يشعر الموظف أن كل حركة محسوبة عليه، وأن الخطأ الصغير قد يصبح ملفًا، وأن المبادرة قد تجلب له مسؤولية إضافية، فإنه مع الوقت يتعلم درسًا إداريًا خطيرًا: (لا تبادر... لا تخاطر... لا تقترح... فقط التزم)!
وهكذا تموت الأفكار قبل أن تولد.
وتتحول بيئة العمل من بيئة للإنجاز إلى بيئة للنجاة.
والمنظمات التي تخاف من الخطأ أكثر مما تطمح إلى النجاح، قد تصبح شديدة الانضباط، لكنها قليلة الابتكار.
نحن اليوم بحاجة إلى معادلة مختلفة:
انضباط بلا تسلط.
رقابة بلا تجسس.
مساءلة بلا تصيد.
مرونة بلا فوضى.
ثقة بلا تسيب.
وتقنية تُستخدم لصناعة القرار، لا لصناعة الخوف.
إن المدير العصري لا يلغي الرقابة، لكنه يجعلها ذكية.
ولا يلغي الأنظمة، لكنه يطبقها بعدالة واتساق.
ولا يتنازل عن الانضباط، لكنه يدرك أن الانضباط الحقيقي لا يقاس فقط بوقت الدخول والخروج، وإنما أيضًا بالالتزام بالنتائج والمسؤوليات والمهنية.
لقد تغيرت معايير القيادة.
ولم يعد السؤال الأهم: هل الموظفون موجودون؟
بل: هل المؤسسة تتقدم؟
ولم يعد نجاح المدير أن يثبت أن موظفيه كانوا في مكاتبهم طوال ساعات الدوام، وإنما أن يثبت أن فريقه كان قادرًا على تحويل الوقت والموارد والفرص إلى إنجاز وأثر.
وبعد سبعة عشر عامًا من كتابة (مديرو الدوام) ربما يكون الوقت قد حان لتغيير المصطلح نفسه:
من مدير الدوام...
إلى مدير الأثر.
فالأول يراقب الساعة.
والثاني يصنع المستقبل.