عمرو أبوالعطا
يصعب النظر إلى الضحك بوصفه ظاهرة بسيطة تفسرها عفويته الظاهرة. فالإنسان يضحك من نكتة، أو تناقض، أو سقوط، أو تقليد، أو موقف حميم بين الأصدقاء، وقد يضحك في لحظة خوف أو ألم، كما قد يمتنع عن الضحك أمام مشهد يثير ضحك الآخرين. لهذا يتجاوز السؤال الفلسفي تعريف الضحك باعتباره صوتًا وحركة جسدية، ويتجه إلى البحث في المضحك ذاته: ما الذي يجعل حدثًا أو سلوكًا أو عبارة قابلة للإدراك بوصفها مضحكة؟ وكيف تتحول هذه الدلالة إلى ضحك؟ وما الوظيفة التي يؤديها الضحك داخل الحياة المشتركة؟
قدّم هنري برغسون واحدة من أكثر الإجابات تأثيرًا عن هذه الأسئلة في كتابه «الضحك: بحث في معنى المضحك»، الصادر سنة 1900. ويعد الكتاب أول مؤلف كبير لفيلسوف بارز يخصص عملًا كاملًا للفكاهة والكوميديا. ومع ذلك، يحتاج وصف الكتاب بأنه «نظرية للضحك» إلى قدر من الدقة؛ فبرغسون لا يبحث في الفسيولوجيا العصبية للضحك، ولا يفترض وجود سبب واحد يفسر كل ضحك. إنه يحلل الكوميدي باعتباره بنية تظهر في الحركة والموقف واللغة والشخصية، ثم يصل هذه البنية بوظيفة اجتماعية وبفلسفة للحياة.
تتمثل أطروحته المركزية في أن المضحك يظهر عندما نرى «الميكانيكي ملتحمًا بالحي». ويعني ذلك ظهور شيء من التكرار أو التصلب أو الأداء الآلي داخل كائن يفترض فيه أن يكون واعيًا ومرنًا وقادرًا على تعديل سلوكه وفق تغير الظروف. فالضحك يكشف خللًا في علاقة الإنسان بواقعه، ويحول هذا الخلل إلى مشهد تراه الجماعة وتحكم عليه. ومن هنا يكتسب كتاب برغسون أبعادًا اجتماعية وأخلاقية وسياسية تتجاوز موضوع الكوميديا في صورته المباشرة.
يرتبط «الضحك» بالمفاهيم التي ستظهر بصورة أكثر وضوحًا في أعمال برغسون اللاحقة. ففي بحثه في الوعي والزمن، ميز بين الزمن المعيش، أو «المدة»، وبين الزمن المجرد الذي تقسمه الساعات إلى وحدات متشابهة. فالمدة استمرار تتداخل داخله الذاكرة والإدراك والتوقع، والحياة في هذا التصور حركة داخلية يصعب اختزالها إلى أجزاء ثابتة.
وفي «التطور الخلاق» يصوغ برغسون تصورًا للحياة باعتبارها حركة ابتكارية، تستجيب للظروف، وتنتج إمكانات جديدة، وتدفع الكائن إلى التكيف. وتظل العادة والمهارة والتنظيم عناصر ضرورية للفعل اليومي، إذ يستحيل أداء كثير من الأفعال من دون قدر من التلقائية. يظهر الخطر حين تتحول العادة إلى غاية مستقلة، أو حين يواصل الإنسان تطبيق طريقة قديمة بعد تغير الموقف.
من هنا يمكن فهم المضحك بوصفه اضطرابًا في علاقة الكائن بالزمن. فالشخصية الجامدة تحمل الماضي إلى حاضر جديد من دون مراجعته، وتتصرف كما لو أن الظروف ثابتة بينما تتغير الظروف فعلًا. ولهذا تصبح الآلية عند برغسون أكثر من صلابة مادية؛ إنها تأخر في الوعي، يتأخر فيه الإدراك عن اللحظة، فيستمر الفعل وفق مسار فقد ملاءمته. يلتقط الضحك هذه الفجوة بين حياة تتقدم وعادة تكرر نفسها.
وتظهر أهمية هذا السياق في أن برغسون لا يبحث عن تعريف قاموسي للمضحك. فهو يصرح في افتتاح كتابه برغبته في متابعة الروح الكوميدية كما تُتابع ظاهرة حية، تتغير وتنتقل من صورة إلى أخرى. لذلك يصعب تحويل عبارته الشهيرة إلى قانون ميكانيكي يفسر كل ضحك؛ إنها مبدأ يضيء اتجاهًا عميقًا في الكوميديا، ويترك مساحة واسعة لاختلاف أشكال الفكاهة.
يبدأ برغسون بثلاث ملاحظات تمهيدية تحدد مجال الظاهرة. تتمثل الملاحظة الأولى في ارتباط الكوميدي بالعالم الإنساني. قد نضحك من حيوان، أو قبعة، أو شيء جامد، غير أن الضحك ينشأ هنا عبر إسقاط هيئة أو قصد أو سلوك بشري على الشيء. القطة التي تبدو عابسة تثير الضحك لأننا نقرأ في ملامحها تعبيرًا إنسانيًا، والقبعة التي تطير في الهواء قد تبدو مضحكة حين نتخيلها كأنها تعاند صاحبها أو تتصرف بقصد. وحتى الجماد يدخل المجال الكوميدي حين يحمل أثرًا من استعمال البشر أو خيالهم.
الملاحظة الثانية ترتبط بالمسافة الوجدانية. يستخدم برغسون تعبير «التخدير اللحظي للقلب» للإشارة إلى أن الشفقة والخوف والتعاطف المباشر قد تمنع الأثر الكوميدي. فإذا رأينا شخصًا يتعثر من دون إصابة، أمكن أن نضحك من الحركة غير المقصودة، بينما يؤدي إدراك إصابته الخطيرة إلى حلول القلق محل الضحك. لا يشير ذلك إلى انعدام الرحمة لدى الضاحك، فقد يكون الإدراك الكوميدي محتاجًا إلى تعليق مؤقت للمشاركة المباشرة في معاناة الشخص.
مع ذلك، يصعب فهم هذا المبدأ بوصفه غيابًا كاملًا للعاطفة. تعمل الفكاهة داخل علاقات المحبة، وتساعد على احتمال الخوف والألم، وقد تؤدي وظيفة المواساة. والأدق أن الضحك يعيد تنظيم الوضع العاطفي؛ فهو ينقل الإنسان مؤقتًا من الانغماس المباشر في الحدث إلى النظر في شكله، ثم قد يعيده إلى الحدث بقدرة أكبر على احتماله. ولهذا يضحك الناس أحيانًا وسط الأزمات، لأن الفكاهة تخلق مسافة مؤقتة تجاه الألم مع بقاء الألم حاضرًا.
أما الملاحظة الثالثة فتتعلق بالصدى الاجتماعي. يرى برغسون أن الضحك هو دائمًا ضحك جماعة، حتى حين يضحك الإنسان منفردًا أمام كتاب أو شاشة. فالنكتة تحتاج إلى لغة مشتركة، ومعرفة بالعادات، وإدراك لما يعد مناسبًا أو مفارقًا داخل جماعة معينة. ولهذا تفشل بعض النكات عند انتقالها بين اللغات والثقافات، لأن ترجمة الكلمات لا تنقل دائمًا التواطؤ الثقافي الذي يجعلها مضحكة.
ومن هنا تتجمع شروط المضحك في ثلاث دوائر مترابطة: إنسانية الكوميدي تربط المضحك بالهيئة أو القصد البشري، والمسافة الوجدانية توقف المشاركة الانفعالية المباشرة لحظة إدراك الشكل، والصدى الاجتماعي يجعل الضحك فعلًا جماعيًا أو متخيل الجماعة، ويربط الكوميديا باللغة والعادة والمعيار الاجتماعي. وبذلك تصبح الفكاهة ظاهرة تتقاطع فيها النفس والجسد والثقافة.
يقدم برغسون مثال الرجل الذي يمشي في الشارع ثم يتعثر ويسقط. يضحك المارة لأن الرجل لم يقصد الجلوس على الأرض؛ فقد استمر جسده في تنفيذ مسار سابق مع تغير الموقف. كان يفترض بالوعي أن يتدخل لتعديل الحركة، غير أن التدخل تأخر، فظهر الجسم كأنه آلة تواصل العمل بعد فقدان عملها لملاءمته.
يكشف هذا المثال أن الكوميدي يوجد في عدم التناسب بين الحركة والقصد. فإذا جلس الشخص عمدًا، انسجم الفعل مع وعيه، واختفى عنصر أساسي من عناصر الكوميديا. أما حين يسقط بسبب الغفلة أو الشرود أو التصلب، فتظهر الفجوة بين الإنسان بوصفه كائنًا قادرًا على التكيف، والجسد بوصفه قوة تكرر اتجاهًا سابقًا.
ولهذا ترتبط نظرية برغسون بالكوميديا الجسدية والمسرح الصامت. فالانزلاق، والتأخر عن الإيقاع، والتقليد الحركي، والتكرار، كلها تجعل الجسد يبدو منفصلًا عن الوعي. المتلقي لا يضحك من الألم ذاته، بل من انحراف الحركة عن غايتها ومن ظهور الآلية داخل السلوك. يصبح الجسد هنا لغة اجتماعية تكشف ما يحاول الشخص أحيانًا إخفاءه بالكلام.
ومع ذلك، يظل المثال تفسيرًا لفئة مهمة من الكوميديا. فقد يضحك الناس من حركة راقصة متقنة، أو لعب جسدي بين الأطفال، أو مفاجأة سعيدة لا تتضمن تصلبًا. تكمن قوة المثال في تفسير علاقة معينة بين الجسد والوعي، وليس في تحويله إلى قاعدة تفسر كل ضحك.
ويحلل برغسون المواقف الكوميدية عبر آليات تظهر في المسرح والحكاية والحياة اليومية، وفي مقدمتها التكرار. فالتكرار لا يصبح مضحكًا لمجرد عودة الحدث، بل حين يكشف عجز الشخصية عن الاستجابة لتغير الواقع. يقع الشخص في الخطأ نفسه مرة بعد أخرى، أو يكرر العبارة نفسها رغم تغير الظروف، فيبدو كأنه آلة لا تتعلم.
وتأتي آلية الانقلاب، حيث تتبدل الأدوار أو النتائج. يصبح الخادم آمرًا، أو يتصرف الطفل كقاضٍ، أو يقع المتعالي في العيب الذي كان يهاجمه. يثير الانقلاب الضحك لأنه يكشف هشاشة الأدوار التي تبدو ثابتة. وقد يعمل هذا الضحك في اتجاه محافظ يعيد الشخص إلى موقعه بعد لحظة الفوضى، أو في اتجاه نقدي يكشف أن «المكان» ذاته نتيجة ترتيب اجتماعي قابل للعكس.
أما تداخل السلاسل فيظهر حين يتقاطع مساران مستقلان عند نقطة واحدة. قد يخطط شخص لخداع آخر، بينما يخطط الآخر لخداعه، فتتداخل الخطتان وتنتج نتيجة لا يملكها أي طرف. يرى الجمهور البنية الكاملة للموقف، بينما ترى الشخصيات أجزاء محدودة منها. وهنا يمتلك الجمهور معرفة زائدة، غير أن هذه الزيادة لا تعني تفوقًا أخلاقيًا بالضرورة، بل تمنحه موقعًا سرديًا يسمح له برؤية الآلية وهي تعمل.
توضح هذه الآليات أن الكوميديا تحتاج إلى توقع سابق. فالضحك لا ينشأ عادة من الفوضى المطلقة، بل من انحراف يمكن إدراكه على خلفية نظام أو عادة أو دور معروف. فإذا غاب تصور ما كان يفترض أن يحدث، تعذر فهم سبب ظهور الحدث بوصفه مضحكًا. ولهذا يجمع الكوميدي بين النظام والانحراف؛ فهو يستعمل القاعدة كي يكشف عدم ملاءمتها أو هشاشتها.
وتصبح اللغة مضحكة حين تتحول من أداة مرنة إلى قالب جامد. يظهر ذلك في سوء الفهم، أو أخذ المجاز حرفيًا، أو استعمال عبارة رسمية في موقف حميم، أو تكرار مصطلح مهني داخل حديث لا يناسبه. الكلمة ذاتها لا تحمل بالضرورة عنصر الإضحاك؛ المضحك هو عجز المتكلم عن تعديل معناها بحسب المقام.
مع ذلك، لا يفسر التصلب كل اللعب اللفظي. توجد ألعاب لغوية تقوم على الإبداع والابتكار، ويأتي الضحك فيها نتيجة اكتشاف إمكان جديد داخل اللغة. ولهذا ينبغي التمييز بين لغة جامدة تكشف قصورًا في التكيف، ولغة لعوب توسع إمكانات التعبير. في الحالة الأولى تصبح الآلية موضوع السخرية، وفي الثانية يصبح اللعب نفسه صورة من صور الحيوية.
وتتضح نظرية برغسون بصورة أعمق في الشخصية الكوميدية. فالشخصية لا تصبح مضحكة بسبب نقص شامل، بل حين تتحول إلى أسيرة سمة واحدة. البخيل يرى العالم عبر الحساب، والمتعصب يرد كل سؤال إلى قاعدة واحدة، والمتكبر يحول كل حديث إلى فرصة لمدح ذاته. هؤلاء يختزلون تعدد الحياة في مسار ثابت، فيتحول وجودهم إلى تكرار مستمر لصفة واحدة.
وهنا تتحول الكوميديا إلى نوع من المعرفة. إنها تجعلنا نرى عادة اعتدناها كأنها غريبة، وتكشف المسافة بين الصورة التي يحملها الشخص عن ذاته والسلوك الذي تراه الجماعة. ولهذا قد يمتلك الضحك قدرة على النفاذ تتجاوز الوعظ المباشر؛ فهو لا يشرح للمرء أنه جامد، بل يضع جموده في صورة يصعب تجاهلها.
ويرى برغسون أن المجتمع يحتاج إلى أفراد منتبهين لتغير الظروف وقادرين على تعديل سلوكهم. وفي الوقت ذاته تنتج الحياة المشتركة عادات وأدوارًا وقواعد قابلة للتحول إلى قوالب. وحين يفقد فرد مرونته، يعمل الضحك كتنبيه اجتماعي، ويعلن بصورة غير مباشرة أن سلوكًا معينًا فقد ملاءمته للموقف.
يمارس الضحك هذا الدور بعيدًا عن القانون والبرهان المنطقي؛ فهو يجعل الفرد موضوعًا للمشاهدة، ويشعر الشخص بأن ما اعتاده بوصفه طبيعيًا أصبح ظاهرًا أمام الآخرين. ومن ثم يؤدي الضحك وظيفة تصحيحية تدفع الفرد نحو استعادة الانتباه والمرونة. وقد وصفت دراسات حديثة هذا الجانب بوصفه تنظيمًا اجتماعيًا ومقاومة لخطر تحول المجتمع إلى حالة آلية ساكنة.
غير أن التصحيح الاجتماعي يطرح مشكلة تتعلق بالسلطة. فقد تضحك الجماعة على المتصلب كي تعيده إلى التفاعل، وقد تضحك على المختلف كي تدفعه إلى الامتثال. ومن هنا يبرز سؤال سياسي أساسي: من يملك حق تعريف المرونة؟ ومن يحدد السلوك الطبيعي؟ يمكن للسخرية من السلطة أن تفتح المجال العام أمام التحرر، كما يمكن للسخرية من الضعيف أن تتحول إلى أداة لإبعاده.
يفترض برغسون أن الجماعة تضغط باتجاه حياة أكثر مرونة، مع حاجة هذا التصور إلى توسيع حتى يشمل احتمال تصلب الجماعة نفسها. فقد يتحول التهكم الجماعي إلى آلية تفرض معيارًا واحدًا، وقد تستخدم السلطة الكوميديا لتصغير خصومها. لذلك ينبغي الفصل بين وظيفة الضحك وإمكان استعماله؛ فالضحك قد يصحح الجمود، وقد ينتج جمودًا جديدًا حين يعاقب كل خروج عن المألوف.
وتدخل نظرية برغسون في حوار مع نظريات أخرى للضحك. فالنظريات التقليدية تصنف عادة ضمن نظرية التفوق، ونظرية التناقض، ونظرية التفريغ، وتضاف إليها في الدراسات الحديثة نظرية اللعب. تربط نظرية التفوق الضحك بشعور الانتصار على الآخر أو على حالة سابقة من الذات. فقد ربط هوبز الضحك بـ«المجد المفاجئ»، وفسر أفلاطون السخرية عبر جهل الإنسان بنفسه، بينما نظر ديكارت إلى السخرية بوصفها فرحًا ممزوجًا بنفور من عيب يراه الإنسان في غيره.
أما نظرية التناقض فتربط الفكاهة بالفجوة المفاجئة بين المتوقع والواقع، في حين ترى نظرية التفريغ أن الضحك يحرر طاقة أو توترًا متراكمًا. وتنظر نظرية اللعب إلى الفكاهة باعتبارها امتدادًا لسلوك اللعب، حيث تُعلّق المخاطر العملية مؤقتًا، ويعاد ترتيب الموقف داخل فضاء آمن.
وتستطيع هذه النظريات أن تتجاور لأنها تجيب عن أسئلة مختلفة. فالتفوق يفسر بعض استجابات السخرية، والتناقض يفسر بنية المفاجأة، والتفريغ يفسر جانبًا من أثر الضحك، واللعب يفسر المرح غير العدائي. أما برغسون فيركز على سؤال مختلف: ما الذي يجعل التناقض أو الحركة أو الشخصية مضحكة حين تكشف آلية داخل الحياة؟ وكيف يرتبط ذلك بالجماعة؟
تتمثل قوة برغسون في تمييزه بين الضحك والمضحك، حتى مع اختلاف المصطلحات الحديثة عن لغته. كما يربط الكوميديا بالجسد والزمن والسياق، فيفسر سبب ظهور التعثر والتكرار والتشبث بصفة واحدة في صورة مضحكة. ويكشف كذلك أن الضحك ظاهرة تتشكل داخل اللغة والجماعة والمعيار الاجتماعي، بدل حصرها في تجربة فردية خالصة.
مع ذلك، تضيق النظرية حين تتحول إلى تفسير شامل لكل أشكال الضحك. هناك ضحك احتفالي لا يصحح أحدًا، وضحك بين الأصدقاء يثبت الألفة، وضحك الأطفال القائم على اللعب، وضحك احتجاجي يقلب معيار الجماعة بدل إعادة الفرد إليه. وقد خلصت دراسات نقدية إلى أن مساواة الفكاهة بالعقوبة لا تستوعب تعدد الأنماط الكوميدية.
ويقدم راسل فورد تعديلًا مهمًا حين يقرأ الضحك إلى جانب «التطور الخلاق» و«المصدرين للأخلاق والدين». ووفق هذه القراءة قد يصبح الضحك دعوة إلى مقاومة الأشكال الاجتماعية المتصلبة وابتكار أشكال جديدة من الحياة، مع بقائه أداة للتصحيح الاجتماعي وبهذا يمكن أن يصحح الضحك المجتمع ذاته، إلى جانب تصحيح الفرد.
يوضح برغسون أن الشفقة المباشرة قد تحول دون الضحك، وذلك لا يعني أن الضحك تجربة خالية من العاطفة. فقد نضحك للتخفيف عن متألم، أو نستخدم الفكاهة لمقاومة الخوف، وقد يتحول الضحك المشترك إلى فعل من أفعال التضامن. لذلك يمكن القول إن الضحك يعيد تنظيم العاطفة عبر خلق مسافة مؤقتة تجاه الألم، بدل أن يقوم على غياب العاطفة كليًا.
كما تحتاج عبارة «الميكانيكي ملتحمًا بالحي» إلى التعامل معها كمبدأ تأويليًا قويًا أكثر من كونها تعريفًا تجريبيًا شاملًا لكل مضحك. فهي تفسر التصلب والتكرار وفشل التكيف، وتفتح الطريق أمام فهم العلاقة بين الجسد والوعي والعادة والزمن، بينما تظل هناك مساحات للكوميديا تقوم على اللعب والمفاجأة والفرح والابتكار اللغوي. وتنبع قيمة العبارة من قدرتها على فتح شبكة واسعة من الأسئلة، لا من إغلاق تاريخ البحث في الفكاهة.
وهكذا يصبح سؤال الضحك عند برغسون، في جوهره، سؤالًا عن الحياة الاجتماعية. فالإنسان يضحك حين يرى في الغرابة علامة على علاقة مختلة بين الوعي والعادة، أو بين الحركة والموقف، أو بين الفرد والجماعة. المضحك هو ظهور الآلية داخل كائن يفترض فيه أن يكون حيًا ومتغيرًا وقادرًا على الاستجابة.
ومع ذلك، يحمل الضحك وظائف متعددة؛ فقد يكون تصحيحًا، أو سخرية، أو تضامنًا، أو لعبًا، أو مقاومة. وتكمن القراءة الأعمق لبرغسون في الجمع بين أطروحته ونقدها: نستفيد من تحليله للمرونة والجمود والصدى الاجتماعي، مع تجنب تحويله إلى قانون يفسر كل ضحك أو يبرر كل سخرية. فالجماعة قد تستخدم الضحك لحماية الحياة من التخشب، وقد تستخدمه أيضًا لفرض تخشب جديد.