ستر بن عبدالعزيز آل راكان
في سجلات التاريخ البشري، تمر على الأمم والشعوب قامات استثنائية لا تقاس فترات حضورها بمجرد تعاقب الأيام والشهور، بل بعمق التحولات الجسورة، وحجم المنجزات التاريخية، وصياغة أمجاد الأوطان. وحينما تقف المملكة العربية السعودية بملء فخرها واعتزازها، وبكافة أطياف شعبها الوفي، لتستقبل الذكرى الثانية عشرة لبيعة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، فإن الآفاق تهتز بيقين واحد، وتلهج الألسن بتساؤل يختزل مشاعر الولاء والمهابة: «ومن مثل سلمان؟!».
إنه الملك الذي تشرّب الحكمة والسياسة من نبع مدرسة التأسيس الأولى على يد والده الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- ليصبح عبر العقود حارس التاريخ السعودي، ومهندس العاصمة الرياض وعرّاب تطورها الاستثنائي. واليوم، ونحن نحتفي باثني عشر عاماً من الحكم والريادة، نقف أمام مسيرة وطن قفز نحو المستقبل، وتصدّر المشهد العالمي برؤية حكيمة جمعت بين أصالة الثوابت وعصر التجدد والتمكين.
الملك سلمان بن عبدالعزيز ليس مجرد قائد يدير دفة الحكم، بل هو امتداد حي لقيم الدولة السعودية وركائزها التاريخية. فقد أمضى -حفظه الله- أكثر من نصف قرن في إمارة منطقة الرياض، محولاً إياها من بلدة صحراوية صغيرة إلى واحدة من أهم العواصم السياسية والاقتصادية في العالم. هذه الخبرة المتراكمة، والعمق المعرفي بأنساب وتاريخ وجغرافيا هذا الوطن، صهرت شخصيته القيادية الفذة ليكون رجل الدولة الأول الذي تلتف حوله القلوب قبل سواعد البناء.
حين تولى مقاليد الحكم، انطلقت السعودية في مرحلة جديدة عنوانها «الحزم والعزم». واجهت المملكة في عهده تحديات إقليمية ودولية عاصفة، فكان الرد سلمانياً حاسماً، ثبّت به أركان الأمن والاستقرار، ورسم حدوداً واضحة للسيادة الوطنية لا تقبل المساومة، مؤكداً للعالم أجمع أن السعودية رقم سياسي واقتصادي صعب لا يمكن تجاوزه في أي معادلة دولية.
تتجلى عبقرية القيادة لدى الملك سلمان في انحيازه الدائم والأبوي للإنسان؛ فالمواطن السعودي كان وما زال في فكره وعقيدته السياسية هو المحور الأساسي للتنمية والهدف الأسمى لكل مشروع. طوال السنوات الماضية، صدرت التوجيهات الملكية السامية متتالية لتلمّس احتياجات المواطنين والمواطنات، ودعم شبكات الأمان الاجتماعي، وتطوير المنظومة التعليمية والصحية لتواكب أعلى المعايير العالمية.
ولم تقف مكارم «سلمان الخير» عند حدود الجغرافيا الوطنية؛ بل امتدت أياديه البيضاء لتشمل المحتاجين والملهوفين في شتى بقاع الأرض عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، الذي غدا وجهاً مشرقاً للقيم الإسلامية والعربية الأصيلة، وباتت المملكة بفضله في مقدمة دول العالم المانحة للمساعدات الإنسانية، لترسخ مكانتها كأرض للعطاء وملاذ للبشرية.
إن القراءة المتأملة في عهد الملك سلمان تقودنا حتماً إلى نقطة التحول الكبرى في التاريخ السعودي الحديث؛ وهي إطلاق رؤية المملكة 2030. هذه الرؤية الشاملة والملهمة نالت الدعم المطلق والمباركة السامية من خادم الحرمين الشريفين، لتنطلق بقوة وعزم تحت إشراف وقيادة سمو ولي عهده الأمين، الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، رئيس مجلس الوزراء.
لقد أحدثت هذه الشراكة القيادية الفريدة بين حكمة القائد وعزيمة مهندس الرؤية نقلة نوعية غير مسبوقة عبر تقليل الاعتماد على النفط وفتح آفاق الاستثمار في قطاعات السياحة، التقنية، والتصنيع وتمكين الشباب والمرأة السعودية ووضعهم في مناصب القيادة وصناعة القرار، وإطلاق مشروعات مذهلة غيرت خارطة العالم المستقبلية مثل «نيوم»، و»القدية»، ومشاريع البحر الأحمر الذكية، وتحقيق قفزات تاريخية في بنية المشاعر المقدسة التحتية، وتسهيل وصول ملايين الحجاج والمعتمرين بأعلى مستويات الراحة والأمان.
السعودية اليوم في ذكرى البيعة الثانية عشرة لا تشبه سعودية الأمس؛ إنها دولة تمضي وثباً نحو الريادة العالمية. حصلت على مراكز الصدارة في مؤشرات الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، واستضافت المحافل الدولية الكبرى كمعرض إكسبو الدولي وكأس العالم. كل هذه المنجزات جاءت لتبرهن على أن الإرادة السياسية عندما تلتقي بشعب طموح، تذوب أمامها المستحيلات.
إن عبارة «ومن مثل سلمان؟!» ليست مجرد انفعال عاطفي أو بلاغة إنشائية، بل هي الحقيقة التي يلمسها كل من يعيش فوق هذه الأرض الطاهرة. هو الملك العادل، الأب الحنون، قائد مسيرة المجد، وحامي حمى الوطن الشامخ.
وفي هذه الذكرى الغالية، أرفع أكف الضراعة للمولى عز وجل، مجدداً العهد والولاء على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، سائلاً الله تعالى أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ويمتعه بموفور الصحة والعافية والعمر المديد، وأن يشهد هذا الوطن العزيز تحت قيادته الحكيمة وسمو ولي عهده الأمين مزيداً من الرفعة والنماء والازدهار العظيم.