د. أبوبكر إبراهيم محجوب
في عالم كرة القدم، يمكن أن تتغير صورة الفريق بسرعة كبيرة. موسم سيئ قد يتبعه موسم مختلف تمامًا؛ يأتي مدرب جديد، وتتغير مجموعة من اللاعبين، وترتفع جودة التعاقدات، فيتحسن الفريق وتتغير معه التوقعات والنتائج.
من المألوف أن يكون الفريق الأول محور الاهتمام عند قياس أثر الاستثمار في نادٍ ما؛ نراقب صفقاته ونتائجه وترتيبه، ونكوّن انطباعنا سريعًا عن مدى تطوره. ومع إغلاق سوق الانتقالات الصيفية، يزداد هذا التركيز طبيعيًا، لكن السوق يكشف جزءًا واحدًا فقط من صورة النادي.
فبناء فريق قادر على المنافسة قد يحدث خلال موسم أو موسمين، خصوصًا مع توافر المال والإدارة الجيدة. أما بناء نادٍ قوي فيحتاج إلى وقت أطول؛ لأن النادي أكبر من الأحد عشر لاعبًا الذين نراهم في الملعب؛ فخلفهم أكاديمية، وإدارة رياضية، وكشافون، ومنشآت، وجمهور، ورعايات، وبيانات، وشراكات، ومصادر دخل، وطريقة واضحة لاتخاذ القرار. وهنا يظهر الفارق بين أن تستثمر في فريق، وأن تبني ناديًا.
هذا الفارق يكتسب أهمية أكبر مع اتساع مشروع الاستثمار والتخصيص للأندية الرياضية في المملكة. فالملكية الجديدة ورأس المال يستطيعان تسريع التغيير، لكن القيمة التي ستبقى بعد سنوات ستتحدد بما استطاع الاستثمار أن يبنيه داخل النادي وحوله.
النادي الحديث يعمل في جانبين متكاملين. رياضيًا، من خلال الفريق الأول والأكاديمية والكشافين والتعاقدات والطب الرياضي وعلوم الأداء والبيانات وتطوير اللاعبين. واقتصاديًا، من خلال الرعايات وحقوق البث وإيرادات المباريات والضيافة والمتاجر والمحتوى والمنشآت والشراكات وعوائد انتقالات اللاعبين.
النجاح في الملعب يرفع قيمة النادي، والإيرادات القوية تمنحه قدرة أكبر على الاستثمار في كرة القدم. والتجارب العالمية تكشف أن بناء النادي يمكن أن يأخذ أشكالًا مختلفة. ريال مدريد، مثلًا، استثمر في سانتياغو برنابيو ليصبح الملعب مصدر دخل يعمل طوال العام؛ وفي موسم 2025-2026 تجاوزت إيرادات الملعب ضعف مستواها قبل التجديد.
أما برينتفورد فبنى جانبًا من قوته في طريقة اختيار اللاعبين. تبدأ عملية الاستقطاب لديه من عشرات الآلاف من اللاعبين، ثم تُجمع البيانات مع تقييم الكشافين والرؤية الفنية والقدرة المالية قبل الوصول إلى القرار النهائي. الميزة هنا ليست صفقة بعينها، وإنما جودة الطريقة التي تقود إلى الصفقة.
وفي سالزبورغ، أصبحت صناعة المواهب جزءًا أصيلًا من عمل النادي، من الأكاديمية إلى الفريق الأول. بينما وسّعت مجموعة سيتي الفكرة إلى شبكة تضم 12 ناديًا في خمس قارات، تستفيد من خبرات مشتركة في تطوير اللاعبين وتجربة الجمهور والفرص التجارية، مع ارتباط كل نادٍ بجمهوره ومجتمعه.
هذه النماذج تنجح بطرق مختلفة؛ ملعب يولّد الإيرادات، ونظام استقطاب يحسّن جودة الاختيار، وأكاديمية تنتج المواهب، وشبكة تتشارك المعرفة. وفي كل حالة توجد قدرة بُنيت داخل النادي، وتبقى بعد انتهاء الموسم ورحيل الصفقة.
ويبقى الجمهور من أكثر أصول النادي حساسية. فاللاعبون والمنشآت والتقنيات يمكن الحصول عليها، أما العلاقة بين النادي وجمهوره فتتكون عبر سنوات من التاريخ والهوية والذاكرة المشتركة، ومنها تأتي قيمة تؤثر في الحضور والرعاية والمنتجات والمحتوى.
بعد خمس أو عشر سنوات، ستظهر قوة الاستثمار في الإيرادات التي يولدها النادي، واللاعبون الذين تطورهم أكاديميته، واستثمار منشآته، ونمو جمهوره، واستمرار هويته مع تغير المدربين واللاعبين. فالمالك قد يتغير، والمدرب سيتغير، واللاعبون سيأتون ويرحلون. أما النادي، فهو ما يجب أن يبقى بعد كل ذلك. وإذا أصبح ما يبقى أقوى، فقد بنينا ناديًا أقوى.