د. عبدالمحسن الرحيمي
تدخل المملكة العربية السعودية مرحلة جديدة في بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار، وتأتي التقنية الحيوية في مقدمة القطاعات الاستراتيجية التي تجمع بين الأمن الصحي والبحث العلمي والتصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي والاستثمار. وقد وضعت الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية طموحًا للمملكة لتصبح مركزًا إقليميًا رائدًا في مجال التقنية الحيوية بحلول عام 2030، ومركزًا عالميًا بحلول عام 2040، مع مستهدف اقتصادي يبلغ نحو 130 مليار ريال، ومساهمة تقارب 3 % من الناتج المحلي غير النفطي، وخلق نحو 55 ألف وظيفة نوعية.
وهذه المستهدفات تعني أن الطموح السعودي لا يقتصر على تصنيع المنتجات الحيوية، وإنما يمتد إلى امتلاك القدرة على البحث والاكتشاف والتطوير وتحويل المعرفة إلى منتجات ذات قيمة صحية واقتصادية.
وتطوير دواء جديد هو أحد أكثر المسارات تعقيدًا في التقنية الحيوية. فالاكتشاف العلمي لا يتحول تلقائيًا إلى دواء؛ إذ يمر بسلسلة تبدأ بتحديد الهدف الدوائي واكتشاف المركب وتصميمه وتحسينه والتحقق منه، ثم الدراسات غير السريرية، وإنتاج البيانات المطلوبة، وإعداد ملف الدواء الجديد قيد البحث، ثم التجارب السريرية وصولًا إلى التصنيع والاستثمار. ولذلك فإن قوة المنظومة لا تقاس فقط بعدد الباحثين أو الأبحاث المنشورة، وإنما بقدرتها على نقل الاكتشاف من المختبر إلى مرحلة التطوير ثم إلى المريض.
وتبرز هنا أهمية البنية التحتية المتخصصة.
وتشير المقارنة إلى وجود أكثر من 300 موقع أو وحدة للمرحلة الأولى في الولايات المتحدة، وأكثر من 100 في أوروبا، مقابل عدد محدود من وحدات المرحلة الأولى في المملكة ضمن نطاق المقارنة، إلى جانب الحاجة إلى توسيع البنية المرتبطة بالمختبرات العاملة وفق مبادئ الممارسات المختبرية الجيدة ومرافق التطوير والتصنيع. ولا تعني هذه المقارنة نقص الكفاءات السعودية، وإنما تشير إلى الحاجة إلى زيادة القدرة الاستيعابية التي تسمح بتحويل عدد أكبر من الاكتشافات المحلية إلى مشاريع دوائية قابلة للتطوير.
وتقدم الولايات المتحدة نموذجًا مهمًا على أهمية هذه الحلقة من خلال المركز الوطني للنهوض بالعلوم التحولية، الذي أُنشئ لمعالجة الاختناقات التي تفصل بين الاكتشاف العلمي والتطبيق العلاجي. ويركز المركز على العلوم التحولية والتطوير قبل السريري واكتشاف الأدوية وتسريع الانتقال إلى التجارب السريرية، أي على المنطقة التي تقع بين البحث الأساسي والتطبيق الطبي. وقد أسفرت حتى الآن الأبحاث التي أُجريت داخله عن 57 تصريحًا لبدء التجارب السريرية وأربع موافقات دوائية، كما أسهمت برامجه وشراكاته في دفع أكثر من 45 دواءً واعدًا إلى التجارب السريرية.
وتكشف هذه التجربة عن فكرة مهمة: الاكتشاف العلمي يحتاج إلى قدرة مؤسسية متخصصة حتى يتحول إلى علاج. وهذا لا يعني إنشاء جهة جديدة للبحث أو التنظيم، وإنما بناء قدرة تعمل في المساحة التي تحتاج إلى خبرات تجمع بين البحث والتطوير والتجارب والبيانات والشراكات الصناعية.
وهنا تأتي فرصة الذكاء الاصطناعي. فالذكاء الاصطناعي يستطيع تحليل كميات كبيرة من البيانات الحيوية والجزيئية، والمساعدة في تحديد الأهداف الدوائية، وتصميم المركبات، وتحسينها، والتنبؤ ببعض خصائصها وسميتها، واختيار المرشحات الأكثر وعدًا. لكنه لا يلغي الحاجة إلى المختبر أو الدراسات غير السريرية؛ بل يجعل الربط بين الحوسبة والتجربة أكثر أهمية. فالمركب الذي يقترحه نموذج ذكاء اصطناعي يجب أن يُختبر ويُحسّن ويُقيّم قبل أن يصبح مرشحًا حقيقيًا للتطوير.
من هنا يأتي مقترح تأسيس مركز وطني للابتكارات الصحية واكتشاف وتطوير الأدوية بالذكاء الاصطناعي ليكون قدرة وطنية متخصصة تربط بين العلوم التحولية والذكاء الاصطناعي والتطوير الدوائي. ولا يكون المركز جهة تنظيمية أو رقابية، ولا يحل محل الجامعات أو سدايا أو هيئة البحث والتطوير والابتكار أو الهيئة العامة للغذاء والدواء، وإنما يعمل كمُمكّن ومُعجّل فني للباحثين والمبتكرين والمطورين.
ويعمل المركز على مسار واضح يبدأ بالبيانات وتحديد الهدف الدوائي، ثم استخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم المركبات واختيار المرشحات، وتحسينها والتحقق منها تجريبيًا، ثم دعم الدراسات قبل السريرية وإنتاج البيانات وفق متطلبات الجودة، ورفع جاهزية ملف الدواء الجديد قيد البحث، وصولًا إلى المرحلة الأولى والتطوير والاستثمار.
وفي الوقت نفسه يعمل على رفع جاهزية المختبرات والمنشآت الوطنية، وتحديد فجواتها الفنية، وتطوير أنظمة الجودة والإجراءات والكوادر، ومساعدتها على الاستعداد للاعتمادات الدولية، دون أن يمارس المركز وظيفة الاعتماد نفسها.
وتكمن قوة هذا النموذج في أنه لا يبني منظومة موازية، بل يربط القدرات الموجودة. فسدايا تمتلك قدرات متقدمة في البيانات والذكاء الاصطناعي والبنية الرقمية، والجامعات والمراكز البحثية تمتلك المعرفة والاكتشافات والكفاءات، وهيئة البحث والتطوير والابتكار تدعم الأولويات والبحث والابتكار، والهيئة العامة للغذاء والدواء تضطلع بدورها التنظيمي والرقابي، بينما يوفر القطاع الخاص الاستثمار والتصنيع والوصول إلى الأسواق. ويكون المركز هو الحلقة الفنية التي تساعد على انتقال المشروع من مرحلة إلى أخرى دون أن يحل محل أي جهة من هذه الجهات.
وتتجاوز قيمة بناء هذه القدرة تقليل الاعتماد على المنشآت الخارجية؛ فهي تعني الاحتفاظ داخل المملكة بجزء أكبر من الخبرة والمعرفة والبنية التحتية والملكية الفكرية وسلسلة القيمة العلمية والتقنية. كما تفتح المجال أمام براءات الاختراع، والشركات الناشئة، ونقل التقنية، والاستثمارات القائمة على المعرفة.
وهذا يتصل مباشرة بالمستهدف الاقتصادي للاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية. فإذا كان القطاع يستهدف أثرًا اقتصاديًا يبلغ 130 مليار ريال بحلول عام 2040، فإن الوصول إليه يتطلب التوسع في الحلقات الأعلى قيمة من سلسلة التقنية الحيوية، وفي مقدمتها اكتشاف وتطوير المنتجات الدوائية والبيولوجية، والملكية الفكرية، ونقل التقنية، والاستثمار.
لذلك فإن المركز المقترح ليس مجرد مشروع للذكاء الاصطناعي، ولا مختبرًا إضافيًا، ولا جهة تنظيمية جديدة. إنه بنية تنفيذية للانتقال من الاكتشاف إلى الدواء، تجمع بين العلوم التحولية والذكاء الاصطناعي والتطوير قبل السريري وتأهيل البنية التحتية ونقل التقنية والاستثمار.
والهدف النهائي هو الانتقال تدريجيًا من استخدام الابتكار الدوائي إلى إنتاجه، ومن استهلاك التقنيات إلى تطويرها، ومن تصنيع الدواء إلى المشاركة في اكتشافه وتطويره، بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من القدرة الوطنية على صناعة الدواء، وليس مجرد أداة لتحسين البحث العلمي.
إن تأسيس مركز وطني للابتكارات الصحية واكتشاف وتطوير الأدوية بالذكاء الاصطناعي يمثل استثمارًا في الحلقة التي تحول المعرفة إلى علاج، والبحث إلى منتج، والابتكار إلى صناعة، والقدرة العلمية إلى قيمة صحية واقتصادية وطنية.