د. محمد الرويلي
تكثر الخطابات التي تقول إن مكان الطبيب هو العيادة، وأن الإدارة ينبغي أن تُترك لأهل الإدارة. والفكرة، للوهلة الأولى، تبدو منطقية؛ فالطبيب تعلّم التشخيص والعلاج، والإداري تعلّم المال والتشغيل والإستراتيجية، ولكل مهنة أهلها. وقد يبدو خروج الطبيب من العيادة إلى الإدارة هدرًا لسنوات طويلة من التعليم والتدريب السريري.
لكن هذا المنطق يفترض أن العيادة والإدارة عالمان منفصلان، وأن القرارات التي تُتخذ في الطابق الإداري تبقى هناك. وهذا تحديدًا ما لا يحدث في المنشآت الصحية.
فالمدير الذي يخفض عدد الممرضين لا يتخذ قرارًا ماليًا فقط؛ إنه يغيّر عدد الأيدي التي ستراقب المرضى ليلًا. والذي يزيد عدد المرضى في جدول الطبيب قد يرفع الإنتاجية، لكنه في الوقت نفسه يقتطع دقائق من الفحص والتفكير والتواصل. وتقليل مدة التنويم قد يحسن دوران الأسرة، لكنه يحدد بصورة غير مباشرة جاهزية المريض للخروج من المستشفى. وحتى قرار شراء جهاز، أو إغلاق خدمة، أو الاستعانة بمصادر خارجية، أو تعديل الحوافز، قد يبدأ بلغة الأرقام وينتهي عند سرير المريض.
لهذا فإن القرار الإداري في المنشأة الصحية ليس بعيدًا عن القرار السريري كما نحب أن نتصور، وغالبًا ما يكون هو القرار السريري نفسه، لكنه اتُخذ قبل أن يدخل المريض غرفة الفحص.
خلفية القائد تزداد أهمية كلما ازداد تعقيد القطاع الذي يديره. وتشير أدبيات الإدارة والقيادة إلى أن المؤسسات المعقدة، التي يعتمد عملها على معرفة تخصصية عميقة، تكون أكثر تنظيمًا حين يكون القائد نفسه ملمًّا بتفاصيل العمل الذي يقوده.
هذا المنطق نجده حاضرًا في قطاعات كثيرة؛ فالمؤسسة العسكرية يقودها في الغالب عسكري، والمؤسسة الأكاديمية يتصدرها أكاديمي، والمؤسسات الهندسية كثيرًا ما يديرها من يفهم الهندسة. لكن هذا المنطق يبدأ في التراجع عندما نصل إلى القطاع الصحي، ويصبح انتقال الطبيب إلى الإدارة محل تساؤل، وكأن معرفته العميقة بالطب تفقد قيمتها بمجرد أن يغادر العيادة ويدخل غرفة الاجتماعات.
المستشفى من أكثر المؤسسات تعقيدًا. لا توجد فيه سلعة بسيطة ولا مسارات إنتاج محددة. فيه مريض قد يحمل التشخيص نفسه الذي يحمله مريض آخر، لكن القرار الصحيح لكليهما مختلف. وفيه مخاطرة واحتمال وعدم يقين ومضاعفات، وقرارات يجب أن تُتخذ أحيانًا خلال دقائق. وهذه التفاصيل ليست هامشًا حول الإدارة الصحية؛ إنها هي المادة التي تُدار أصلًا.
وفي الدراسات العلمية نجد إشارات متكررة إلى تفوق المؤسسات الصحية التي يقودها أطباء. فعندما دُرست قائمة أفضل 100 مستشفى أمريكي في السرطان، وأمراض الجهاز الهضمي، وأمراض القلب وجراحتها، بما شمل 300 رئيس تنفيذي، كانت المستشفيات التي يقودها أطباء أعلى في درجات الجودة بنحو 25 %. ثم توسعت المقارنة لاحقًا لتشمل 115 مستشفى أمريكيا، فحصلت المستشفيات التي يقودها أطباء على تقييمات جودة أعلى، وسجلت استخدامًا أكبر للأسرة، من دون أن يقابل ذلك اختلاف في إجمالي الإيرادات أو هوامش الربح.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن أحد الاعتراضات الضمنية على الطبيب الإداري أنه قد يفهم الجودة لكنه لا يفهم المال، وكأن القطاع الصحي لا يملك إلا خيارين: طبيب يحمي الجودة ويخسر المال، أو إداري يحمي المال ويضحي بالجودة.
هذه الثنائية غير صحيحة وليست ضرورية. فالممارس الصحي حين يدخل الإدارة لا يفقد فهمه للمريض؛ إنما يضيف إلى معرفته السريرية لغة أخرى: لغة الإيرادات والتكلفة والسيولة والتشغيل والاستثمار والإستراتيجية. وهنا تكمن ميزته؛ فهو لا يرى القرار من زاوية واحدة، وإنما يفهم أثره على المؤسسة كما يفهم تبعاته على المريض.
وعندما انتقلت المقارنة إلى 370 مستشفى ألمانيا، ارتبطت قيادة الأطباء بانخفاض الوفيات داخل المستشفى لدى مرضى الالتهاب الرئوي، إلى جانب رضا أعلى عن الرعاية. كما أظهرت دراسة على مستشفيات هيئة الصحة الوطنية في إنجلترا أن ارتفاع نسبة الأطباء في مجالس الإدارة ارتبط بتقييمات أعلى لجودة الخدمات، وتحسن النتائج الصحية للمرضى.
وهنا لا يعود وجود الطبيب في الإدارة مجرد مسألة تمثيل مهني، وإنما يصبح مسألة تتعلق بنوعية القرار نفسه. فالطبيب يعرف أن خفض التكلفة قد يكون ممتازًا في التقرير الشهري، لكنه قد يتحول إلى عبء سريري بعد ستة أشهر. ويعرف أن زيادة عدد الزيارات قد ترفع الإيرادات، لكنها قد تخفض جودة التشخيص. ويعرف أن تقليل مدة التنويم قد يحسن استخدام السرير، لكنه قد ينقل المشكلة إلى الطوارئ أو إلى إعادة التنويم. ويعرف أن بعض القرارات التي تبدو صغيرة في الاجتماع ليست صغيرة عندما تنزل إلى أرض الواقع.
ولهذا لم تعد الدعوة إلى إشراك الممارسين الصحيين في الإدارة مجرد رأي، وإنما أصبحت اتجاهًا تؤيده الأدبيات التي تناولت القيادة الصحية؛ إذ دعت إلى توسيع حضورهم في مواقع صنع القرار، وبناء مسارات مهنية تهيئ الأطباء والممارسين الصحيين للأدوار القيادية، وتزويدهم مبكرًا بمهارات الإدارة والحوكمة والإستراتيجية.
فالمنشأة الصحية تحتاج إلى من يفهم أرقامها بقدر ما يفهم مرضاها، وإلى من يستطيع أن يقرأ أثر القرار في الميزانية كما يقرأ أثره على الرعاية.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي للقطاع الصحي لا ينبغي أن ينحصر في إبقاء الممارس الصحي داخل العيادة؛ وإنما يمتد إلى إعداد من يملك منهم القدرة للوصول أيضًا إلى طاولة القرار. وصناعة هذا النموذج ربما تكون الطريق الأقصر والأجدى. فتعليم الطبيب الإدارة أسهل بكثير من تعليم الإداري الطب.
** **
- دكتوراه في علوم التأهيل وماجستير تنفيذي في إدارة الأعمال
- الإقامة والزمالة الأمريكية في العلاج الطبيعي لمشاكل العمود الفقري والمفاصل والعضلات
- استشاري العلاج الطبيعي للمفاصل والعضلات