د. غالب محمد طه
عندما طلبت مني مجلة «رؤى المدربين» المساهمة بمقال، أعادتني كلمة «التدريب» إلى سنوات طويلة كنت خلالها ألتقي طلاب كليات الإعلام في الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس، حيث كانوا يأتون لتطبيق ما تعلموه في قاعات الدراسة على أرض الواقع.
لم يكن دوري معهم تدريسًا بالمعنى الأكاديمي، لكنني كنت أراهم في أولى خطواتهم نحو المهنة، وهم يحاولون تحويل ما تعلموه عن الخبر والتحرير والمقابلة إلى ممارسة في مؤسسة لها أخبارها وملفاتها وأشخاصها، وفي واقع لا يأتي مرتبًا كما في الكتب.
كان الحماس واضحًا في معظمهم، ومعه شيء من الارتباك الذي يصاحب الانتقال من المعرفة إلى الممارسة. وفي تلك المسافة بين ما يعرفه الطالب وما يواجهه في الواقع، كنت ألاحظ شيئًا ظل يشغلني.
لم تكن المشكلة دائمًا في أن الطالب لا يعرف كيف يكتب خبرًا أو يصوغ سؤالًا للمقابلة. أحيانًا كان يعرف ذلك جيدًا. لكن الأصعب كان أن يعرف أين توجد القصة أصلًا، وما الذي يستحق أن يتوقف عنده، وما السؤال الذي يمكن أن يفتح بابًا لم يكن ظاهرًا في البداية.
كنت أرى الطالب يتعلم شيئًا من كل محاولة؛ من خبر لم يكن جيدًا بما يكفي، ومن سؤال لم يأتِ في مكانه، ومن مقابلة انتهت ثم اكتشف بعدها أن سؤالًا مهمًا ظل في ذهنه ولم يطرحه.
لم يكن الخطأ مهمًا في حد ذاته. المهم ما يحدث بعده. أن يعرف الطالب لماذا لم تنجح محاولته، ثم يعود مرة أخرى وقد تعلم شيئًا.
وكنت أراقب ذلك كله وأفكر، من وقت لآخر: ما الذي يصنع الصحفي حقًا؟
لم أكن أملك يومها إجابة مكتملة.
عاد إليّ السؤال مؤخرًا وأنا أقرأ مقال عمرو الأنصاري في «مجلة الصحافة» بمعهد الجزيرة للإعلام بعنوان «هل تثق غرف الأخبار بالذكاء الاصطناعي كاتبًا؟». كان المقال يناقش العلاقة الجديدة بين غرف الأخبار والذكاء الاصطناعي، وما يمكن أن تتركه المؤسسة للآلة وما ينبغي أن يبقى تحت نظر الصحفي ومسؤوليته.
وأنا أقرأه، عدت بطريقة ما إلى أولئك الطلاب.
إذا كانت الآلة ستدخل غرفة الأخبار وهي تجيد الكتابة والتحرير والتلخيص والبحث واقتراح العناوين، فماذا نقول للطالب الذي كنا نطلب منه أن يتعلم هذه الأشياء لأنها من أساسيات المهنة؟
النقاش حول الذكاء الاصطناعي لا يتوقف. هناك من يخشى أن يضعف الاعتماد عليه مهارات اكتسبها الإعلاميون طويلًا بالممارسة، وهناك من يراه أداة أخرى تضاف إلى أدوات المهنة، والمهم أن يعرف الإنسان كيف يستخدمها.
أفهم الرأيين.
فالذكاء الاصطناعي ليس خصمًا للصحفي، ولا أعتقد أن تجاهله سيصنع صحفيًا أفضل. لكنني أرى فرقًا بين صحفي تمرّس في المهنة ثم جاءت إليه هذه الأدوات، وطالب دخل إلى المهنة وهي موجودة أمامه منذ يومه الأول.
الأول لديه شيء يحاكم به ما تقدمه الآلة. أما الثاني فلا يزال يبني هذا الشيء.
وربما تكون المسألة هنا أبسط مما تبدو: هناك فرق بين أن تختصر الآلة على الطالب الجهد، وأن تختصر عليه التعلم.
لو أجرى الطالب مقابلة لمدة ساعة، ثم استخدم أداة لتفريغ التسجيل، لا أرى في ذلك مشكلة. لقد وفر وقتًا يمكن أن ينفقه في شيء آخر. لكن لو طلب منها قبل المقابلة أن تضع له الأسئلة، ثم أن تقترح أسئلة المتابعة، وبعد المقابلة ترك لها اختيار أهم ما قيل، فالأمر مختلف.
قد تكون المادة النهائية جيدة، لكن أجزاء من التجربة التي كان يتعلم خلالها كيف يستمع، وكيف يلتقط الإجابة الناقصة، وكيف يكتشف السؤال الذي لم يكن في قائمته، مرت هذه المرة عبر الآلة.
وهذا يعيدني إلى التدريب في هيئة المواصفات.
كان الطالب يتعلم شكل الخبر بسرعة، لكن الأمر كان يحتاج إلى وقت أطول حتى يبدأ في رؤية الخبر نفسه. أن يدخل إلى مكان فيه عشرات التفاصيل، ثم يعرف أن هذه المعلومة تستحق التوقف، وأن تلك الإجابة تحتاج سؤالًا آخر، وأن رقمًا قيل أمامه لا يكفي أن يكتبه لمجرد أن مصدرًا ذكره.
هذه الأشياء لا تظهر عادة في النص المنشور، لكنها جزء من تكوين من كتبه.
ولهذا لم أعد مشغولًا كثيرًا بالسؤال الشائع: هل ستأخذ الآلة مكان الصحفي؟
يشغلني سؤال أقرب إلى قاعة الدراسة:
ماذا لو دخلت الآلة في اللحظة التي كان ينبغي أن يحاول فيها الطالب بنفسه؟
الطالب الذي يكتب مقدمة ضعيفة ثم يعيدها، ويتلقى ملاحظة من أستاذه، ويفهم لماذا لم تنجح، لا يتعلم كتابة تلك المقدمة وحدها. والطالب الذي ينهي مقابلة ثم يتذكر في طريق عودته سؤالًا كان ينبغي أن يطرحه، خسر سؤالًا في مقابلة، لكنه على الأغلب لن ينساه في المقابلة التالية.
أما إذا أعطته الآلة مقدمة جيدة من المحاولة الأولى، وأسئلة جيدة، وعنوانًا أفضل مما كان سيكتبه، فسنكون أمام مفارقة لم تكن بهذه الحدة من قبل.
النص أصبح أفضل.
لكن هل أصبح الطالب أفضل؟
أظن أن هذا السؤال يستحق أن يدخل قاعات كليات الإعلام.
لأننا إذا اكتفينا بالنظر إلى المادة النهائية التي يقدمها الطالب، فقد يصبح من الصعب أن نعرف ماذا تعلم فعلًا. ربما نحتاج أحيانًا إلى أن نسأله عن الطريق الذي أوصله إليها: لماذا اختار هذه الزاوية؟ من أين جاء بهذه المعلومة؟ لماذا وثق بهذا المصدر؟ ماذا اقترحت عليه الأداة ولم يأخذ به؟ ولماذا؟
ليس المقصود أن نحول كل واجب إلى تحقيق مع الطالب، وإنما ألا تصبح جودة المنتج وحدها دليلنا على جودة التعلم.
فالطالب لا يحتاج إلى أن ينافس الآلة في سرعة الكتابة. لن يكسب هذه المنافسة، ولا أظن أن عليه أن يدخلها أصلًا.
ما يحتاجه هو أن يعرف ماذا يريد قبل أن يطلب من الآلة مساعدته، وأن يستطيع بعد أن تقدم له الإجابة أن يقول: هذه تصلح، وهذه لا تصلح، وهنا أخطأت، وهنا أحتاج إلى أن أبحث بنفسي.
وهذا يعيد الأمر إلى كليات الإعلام، لا إلى شركات التقنية.
لا أعتقد أننا بحاجة إلى التوقف عن تعليم الكتابة والتحرير والمقابلة. لكن ربما أصبح علينا أن نفكر أيضًا في توقيت استخدام الأدوات الجديدة داخل عملية التعلم.
فالمهمة التي يمكن أن نتركها للأداة بعد أن يكتسب الطالب مهارته فيها، قد يكون من الضروري أن يؤديها بنفسه وهو يتعلمها للمرة الأولى. ليس لأن الآلة ستنجزها بصورة أسوأ؛ بل ربما تنجزها بصورة أفضل. لكن الطالب كان يحتاج إلى أن يمر بها بنفسه مرة واثنتين وأكثر.
كنت قد كتبت قبل أيام عن تجربة «مدرسة الموهوبين الإعلاميين» في المدينة المنورة. ويبدو لي الآن أن اكتشاف الموهبة ليس وحده ما يستحق التفكير. كيف نتيح لهذه الموهبة أن تنمو في زمن تستطيع فيه الآلة أن تفعل لصاحبها أشياء كثيرة قبل أن يتعلم هو كيف يفعلها؟
وربما على الطالب نفسه، قبل أن يسلم مهمة جديدة للذكاء الاصطناعي، أن يسأل: هل أختصر وقتي الآن، أم أختصر شيئًا كان ينبغي أن أتعلمه؟
حين أتذكر أولئك الطلاب الذين كانوا يأتون إلى هيئة المواصفات بدفاترهم وأسئلتهم الأولى، أفكر في طالب الإعلام الذي سيدخل غرفة الأخبار غدًا. ستكون أمامه أدوات لم تكن متاحة لأولئك الذين عرفتهم قبل سنوات.
وهذا جيد.
أما ذلك السؤال القديم: ما الذي يصنع الصحفي حقًا؟
لا أزعم أنني وجدت له إجابة كاملة بعد كل هذه السنوات. لكنني أصبحت أكثر اقتناعًا بأن الصحفي لا تصنعه المادة الجيدة التي ينجح في إنتاجها وحدها. يصنعه أيضًا ما حدث له وهو يحاول الوصول إليها؛ سؤال أخطأ في طرحه، وآخر نسيه، ومعلومة شك فيها فعاد إليها، ومقدمة كتبها ثم حذفها، وقرار اتخذه وتعلم مع الوقت لماذا كان صائبًا أو خاطئًا.
وقد تستطيع الآلة أن تختصر كثيرًا من هذا الطريق.
لكن قبل أن نفعل ذلك، علينا أن نعرف أي جزء من الطريق كان هو التعليم نفسه.