د.عبدالله الفايز
من أكبر سلبيات التقدم التقني الذي نعيشه اليوم أن التكنولوجيا التي كان يفترض أن تجعل الإنسان أكثر معرفة ووعيًا واتصالًا بالعالم أصبحت في بعض استخداماتها سببًا في زيادة الحيرة والارتباك وتشتت المصداقية. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للإنسان أن يصل إلى الأخبار والمعلومات والصور والأحداث في لحظتها، وأتاحت له أن يعبر عن رأيه ويتواصل مع الآخرين ويتبادل المعرفة بصورة لم تكن ممكنة في أي مرحلة سابقة من التاريخ، ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضاعف هذه القدرة ويجعل إنتاج النصوص والصور والأصوات ومقاطع الفيديو والمعلومات أسرع وأسهل وأقل تكلفة. ولكن المشكلة أن هذه الثورة في القدرة على إنتاج المعلومات لم يصاحبها بالضرورة ثورة مماثلة في القدرة على التحقق منها. وهنا بدأت تظهر مشكلة أراها من أخطر مشكلات العصر الرقمي، وهي تشتت المصداقية، حيث لم يعد الإنسان يعرف بسهولة ماذا يصدق، ومن يصدق، وما إذا كان ما يراه حقيقة أم تزييفًا، وما إذا كان المتحدث أمامه عالمًا ومتخصصًا أم مجرد شخص يبحث عن الشهرة أو المشاهدات أو المال. لقد انتقلنا من عصر كانت فيه مشكلة الإنسان الأساسية هي نقص المعلومات إلى عصر أصبحت فيه المشكلة هي فائض المعلومات واختلاط الصحيح منها بالخطأ، والموثوق منها بالمضلل، والحقيقي منها بالمفبرك. وهذا التحول يبدو في ظاهره تقدمًا، لكنه قد يتحول إلى مشكلة خطيرة عندما يصبح المواطن محاصرًا بملايين المعلومات المتناقضة، ولا يمتلك الوسائل أو الوقت أو المعرفة اللازمة للتمييز بينها. فالمعلومة الكاذبة عندما تتكرر آلاف المرات قد تبدو للبعض أكثر صدقًا من الحقيقة التي لا تجد من يروج لها، والصورة المفبركة قد تكون أكثر تأثيرًا من التقرير العلمي، والفيديو المصطنع قد يقنع الملايين أكثر من التصريح الرسمي، والشخص الذي يتحدث بثقة أمام الكاميرا قد يحصل على جمهور أكبر بكثير من العالم المتخصص الذي يتحدث بحذر ويضع حدودًا لما يعرفه وما لا يعرفه..
..وهنا تكمن المفارقة الكبرى في وسائل التواصل الاجتماعي. فقد جاءت في الأصل لتقريب الناس من بعضهم، لكنها في بعض صور استخدامها أصبحت تقرب الناس من المعلومات غير الموثوقة أكثر مما تقربهم من الحقيقة. وأصبحت الخوارزميات في كثير من الأحيان تكافئ ما يجذب الانتباه أكثر مما تكافئ ما هو صحيح، لأن المشاهدة والتفاعل والمشاركة والإعجاب أصبحت جزءًا من اقتصاد المنصات. وبذلك قد يصبح الخبر الأكثر إثارة هو الأكثر انتشارًا، وليس الخبر الأكثر دقة، وقد يصبح الشخص الأكثر قدرة على صناعة الجدل هو الأكثر شهرة، وليس الشخص الأكثر علمًا وخبرة. وهذه ليست مشكلة إعلامية فقط، وإنما مشكلة اجتماعية وثقافية ومعرفية وأخلاقية. فعندما يفقد المجتمع القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم، فإنه لا يفقد فقط الثقة في خبر معين، بل قد يبدأ تدريجيًا في فقدان الثقة في المعرفة نفسها. والأسوأ أن بعض الناس قد يصلون إلى مرحلة يقولون فيها: «لا نعرف من نصدق»، ثم يتحول هذا الشك من موقف صحي تجاه المعلومات إلى حالة عامة من عدم الثقة بكل شيء. وهنا تصبح الحقيقة نفسها ضحية؛ لأن الإنسان عندما لا يستطيع التمييز بين العالم الحقيقي والعالم المفبرك قد يتعامل مع الاثنين على أنهما متساويان.
وقد يكون أخطر ما أنتجته وسائل التواصل الاجتماعي هو أنها أعادت تعريف مفهوم «الخبير» في نظر جزء من المجتمع. فعدد المتابعين أصبح عند البعض معيارًا للخبرة، وعدد المشاهدات أصبح دليلًا على الأهمية، والقدرة على التحدث بثقة أمام الكاميرا أصبحت في بعض الأحيان أهم من المؤهلات العلمية والخبرة المهنية. وهكذا ظهر نوع جديد من المشاهير الذين يستطيعون التأثير في آلاف أو ملايين الأشخاص من دون أن يكون لديهم بالضرورة علم أو تخصص أو مسؤولية مهنية تؤهلهم للحديث في القضايا التي يتناولونها. وقد يصبح الأمر أكثر خطورة عندما يدخل هؤلاء في مجالات حساسة مثل الصحة والتغذية والطب والاقتصاد والقانون والدين والهندسة والسياسة. فالمجتمع الذي كان في الماضي يبحث عن الطبيب أو المهندس أو العالم أو المتخصص للحصول على رأي موثوق، أصبح يستطيع اليوم أن يحصل على عشرات الآراء خلال دقائق من أشخاص قد لا تكون لديهم أي أهلية علمية. وقد يؤدي ذلك إلى تهميش المتخصص الحقيقي، ليس لأنه أقل علمًا، وإنما لأنه أكثر تحفظًا وأكثر التزامًا بالمنهج العلمي، في حين يستطيع غير المتخصص أن يقدم إجابة قطعية وسريعة ومثيرة تجذب الجمهور.
خذ مثلًا ما يحدث أحيانًا في مجال التغذية. قد يظهر شخص يقدم نفسه باعتباره «خبير تغذية» ويتحدث عن منتج أو غذاء أو مشروب بطريقة توحي بأنه متخصص، ثم يقدم معلومات لا تستند إلى فهم علمي كافٍ. ويمكن أن تتحول مسألة بسيطة إلى معلومة مضللة عندما يجري تجاهل الفروق العلمية بين المنتجات أو طرق التصنيع أو التخمير أو أنواع البكتيريا والكائنات الدقيقة أو الظروف التي تؤدي إلى تغير خصائص الغذاء. ومثال الكفير الذي يطرح أحيانًا بصورة ساخرة أو مبسطة، وكأنه ليس إلا حليبًا تُرك خارج الثلاجة حتى يتحول إلى كفير، يوضح خطورة التبسيط عندما يأتي من شخص لا يملك المعرفة الكافية؛ فالكفير منتج مخمر له خصائص وعملية تخمير محددة، وليس مجرد حليب فسد بسبب تركه في درجة حرارة الغرفة. والخطر هنا ليس في المعلومة الخاطئة وحدها، وإنما في أن المتلقي قد يطبقها على نفسه أو أسرته باعتقاد أنها نصيحة علمية. والأمر ذاته ينطبق على الأخبار. أصبح بإمكان أي شخص أن يأخذ صورة لشخصية سياسية أو قائد أو نجم عالمي، ثم يضع عليها قصة مختلقة وينشرها بطريقة تجعلها تبدو حقيقية، وقد تنتشر القصة في ساعات إلى ملايين الأشخاص. وفي بعض الحالات لا يكون الهدف سياسيًا أو أيديولوجيًا حتى، وإنما مجرد الحصول على المشاهدات والإعلانات والدخل. وهنا يتحول الكذب إلى نموذج اقتصادي؛ كلما كانت القصة أكثر غرابة وإثارة زادت فرص انتشارها، وكلما زادت المشاهدات زاد العائد. ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف طبقة جديدة إلى هذه المشكلة. ففي السابق كان إنتاج صورة أو مقطع فيديو مزيف يحتاج إلى مهارات تقنية وبرامج متخصصة، أما اليوم فقد أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على إنتاج نصوص وصور وأصوات ومقاطع مرئية تبدو في بعض الحالات مقنعة للغاية. ومع تطور تقنيات التوليد والتزييف العميق، لم يعد السؤال فقط: هل هذه الصورة حقيقية؟ بل أصبح السؤال: هل الشخص الذي أراه قال هذا فعلًا؟ وهل حدث هذا الحدث أصلًا؟ وهل هذا الصوت حقيقي؟ وهل هذا الفيديو تسجيل لواقعة أم صناعة رقمية؟
وهنا نصل إلى مشكلة أخطر بكثير من الأخبار الكاذبة، وهي إمكانية أن يصبح الحقيقي نفسه موضع شك. فإذا أصبح الإنسان قادرًا على إنتاج فيديو مزيف لأي شخص، فقد يأتي يوم ينشر فيه فيديو حقيقي ثم يقول صاحبه إنه مفبرك، ويصدقه الناس لأنهم يعرفون أن التزييف ممكن. وبذلك لا يؤدي الذكاء الاصطناعي فقط إلى زيادة المعلومات الكاذبة، بل قد يؤدي أيضًا إلى إضعاف قيمة الأدلة الحقيقية. وهذه مشكلة معرفية وأمنية وسياسية وقانونية بالغة الأهمية. إنني أرى أن الذكاء الاصطناعي، على الرغم من فوائده الهائلة، ما زال في مرحلة مبكرة من تطوره، ولا ينبغي أن نتعامل معه وكأنه نظام معصوم من الخطأ. فهو قد يخطئ، وقد يقدم معلومات غير دقيقة، وقد يسيء تفسير السياق، وقد ينتج إجابات تبدو واثقة وهي غير صحيحة. ولذلك فإن الانبهار بقدراته يجب ألا يجعلنا نتخلى عن العقل البشري أو التحقق العلمي أو الخبرة المتخصصة. فالذكاء الاصطناعي أداة قوية، لكنه ليس بديلًا عن الحقيقة، وليس كل ما ينتجه صحيحًا لمجرد أنه صدر عن نظام متقدم. بل إنني أرى أن هذا هو أحد الأسباب التي دفعتني في رؤيتي السابقة للذكاء الاصطناعي إلى التأكيد على ضرورة الانتقال من مجرد الذكاء الاصطناعي إلى مستوى أكثر تكاملًا هو الذكاء التنظيمي Systemic Intelligence – SI. فالمشكلة المستقبلية ليست فقط كيف نجعل الآلة أكثر ذكاءً، وإنما كيف نبني نظامًا يستطيع أن يتحقق من المعلومات، ويقارن المصادر، ويقيم درجة الثقة، ويكشف التناقضات، ويرصد محاولات التلاعب، ويعرف حدود معرفته، ويضع الإنسان والمؤسسة المختصة في دائرة القرار عندما تكون المسألة حساسة أو عالية المخاطر. فالذكاء الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد القدرة على إعطاء إجابة، وإنما القدرة أيضًا على معرفة متى تكون الإجابة موثوقة ومتى تحتاج إلى تحقق. والنظام الذكي الحقيقي ليس الذي يتحدث بثقة عن كل شيء، وإنما الذي يستطيع أن يقول: هذه المعلومة مؤكدة، وهذه محتملة، وهذه غير موثقة، وهذه تحتاج إلى رأي متخصص.
وهنا تظهر أهمية ومسؤولية الجهات المنظمة للإعلام لوضع حد وعقوبات صارمة وتصميم تطبيقات تكشف التزوير والجرائم الفكرية. وإعادة بناء مفهوم المصداقية في العصر الرقمي. نحن بحاجة إلى انتقال من «من قال؟» إلى «ما مصدره؟ وما الدليل؟ وما درجة الثقة؟ وهل يمكن التحقق منه؟». كما نحتاج إلى أن تتعلم الأنظمة الرقمية نفسها التمييز بين المحتوى الموثوق والمحتوى غير الموثوق، وأن يكون للمحتوى مصدر واضح وسجل رقمي يتيح معرفة أصله وتاريخ إنتاجه والتعديلات التي طرأت عليه، مع حماية الخصوصية وحرية التعبير وعدم تحويل التحقق إلى وسيلة للرقابة غير المشروعة. إن مسؤولية هذه المشكلة لا تقع على المواطن وحده. فمن غير المنطقي أن نطلب من كل فرد أن يصبح صحفيًا ومبرمجًا وعالم بيانات وطبيبًا ومحاميًا وخبيرًا في الذكاء الاصطناعي حتى يستطيع التحقق من كل ما يصل إليه. هناك مسؤولية على شركات منصات التواصل الاجتماعي، وعلى شركات الذكاء الاصطناعي، وعلى وسائل الإعلام، وعلى المؤسسات التعليمية، وعلى الجهات التنظيمية، وعلى المتخصصين أنفسهم.
والمنصات التي تحقق أرباحًا ضخمة من جذب انتباه الناس لا يمكن أن تتعامل مع المحتوى المضلل وكأنه مشكلة المستخدم وحده. فإذا كانت الخوارزمية تستطيع أن تعرف ما الذي يجذب المستخدم، فينبغي أن تكون قادرة أيضًا على تطوير آليات أكثر قوة لاكتشاف المحتوى الكاذب أو المفبرك والتحذير منه، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالصحة أو الأمن أو الكوارث أو الانتخابات أو الأحداث التي يمكن أن تؤدي المعلومات الخاطئة بشأنها إلى أضرار حقيقية. ولا يعني ذلك أن تتحول الشركات إلى «وزارة للحقيقة»، فهذا بحد ذاته خطر آخر؛ لأن من يملك سلطة تحديد الحقيقة قد يسيء استخدامها. المطلوب هو نظام متوازن يقوم على الشفافية والتحقق المستقل وحق الاعتراض ووضوح مصادر المعلومات وتمييز المحتوى الاصطناعي عندما يكون ذلك مناسبًا، وتحمل المسؤولية عن الأضرار الناتجة عن الإهمال المتعمد أو المتكرر، مع الحفاظ على حرية الرأي والتعبير.
كما أرى أن من الضروري إعادة الاعتبار إلى العلماء والمتخصصين. فليس من الطبيعي أن يصبح الشخص الذي يملك ملايين المتابعين أكثر تأثيرًا من مئات العلماء فقط لأنه يجيد صناعة المحتوى. الشهرة ليست علمًا، وعدد المتابعين ليس شهادة أكاديمية، والثقة في نبرة الصوت ليست دليلًا على صحة المعلومة. وإذا أردنا مجتمعًا قادرًا على مواجهة المستقبل، فعلينا أن نعيد بناء العلاقة بين المجتمع والعلماء والخبراء والمؤسسات العلمية. وقد يبدو من المفيد هنا استحضار قصة ألفريد نوبل، ولكن مع شيء من الدقة التاريخية. فقد ارتبط اسم نوبل باختراع الديناميت، الذي كان له استخدامات صناعية مهمة، لكنه أصبح أيضًا مرتبطًا بالدمار والحرب. وبعد وفاته خصص معظم ثروته لإنشاء الجائزة التي تحمل اسمه وتكافئ من يقدمون إسهامات ذات فائدة للبشرية في مجالات محددة. وهذه القصة تطرح أمامنا سؤالًا معاصرًا: ماذا نفعل عندما تخترع البشرية تقنية عظيمة يمكن أن تخدم الإنسان ويمكن في الوقت نفسه أن تستخدم ضده؟
والذكاء الاصطناعي، في رأيي، يطرح هذا السؤال بصورة أكثر تعقيدًا. فهو ليس اختراعًا شريرًا، كما أن الديناميت لم يكن مجرد اختراع شرير، وإنما تكمن المشكلة في الاستخدام والحوكمة والقدرة على التحكم في المخاطر. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في الطب والتعليم والبحث العلمي والطاقة والنقل والتخطيط وإدارة الكوارث وحماية البيئة وتحسين الخدمات، ولكنه يمكن أيضًا أن يستخدم في التضليل والتلاعب والاحتيال وصناعة المحتوى المزيف والهجمات السيبرانية وغيرها من الاستخدامات الضارة. ولهذا أقترح، من باب التفكير لا من باب التشريع الجاهز، أن تتبنى شركات الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي مفهومًا جديدًا يمكن أن أسميه «جائزة الذكاء لخدمة الإنسانية»، أو صندوقًا دائمًا لتمويل البحوث التي تعمل على تقليل مخاطر الذكاء الاصطناعي والتضليل الرقمي وحماية المجتمع من التزييف الرقمي. فإذا كانت هذه الشركات تحقق مليارات الدولارات من اقتصاد الذكاء والبيانات والانتباه، فمن العدل أخلاقيًا أن تخصص جزءًا من هذه الثروة لدعم العلماء والباحثين الذين يعملون على حماية المجتمع من المخاطر التي قد تنتج عن هذه التقنيات نفسها.
ولا أقصد أن تكون الجائزة مجرد جائزة إعلامية، وإنما يمكن أن تتحول إلى منظومة عالمية لتمويل الابتكارات التي تكشف التزييف العميق، وتتحقق من مصادر الأخبار، وتحمي الأطفال والمجتمعات من التضليل، وتطور أدوات لتمييز المحتوى الاصطناعي، وتساعد المؤسسات التعليمية والإعلامية على بناء الثقة الرقمية، وتطور أساليب تجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر دقة وشفافية وقابلية للمساءلة. فالاختراع العظيم لا يقاس فقط بقدرته على خلق شيء جديد، وإنما أيضًا بقدرته على حماية الإنسان من النتائج غير المقصودة لهذا الابتكار. وأعتقد أن العالم يحتاج اليوم إلى عقد اجتماعي رقمي جديد. هذا العقد يجب أن يقوم على أن حرية إنتاج المعلومات لا تعني حرية تدمير الحقيقة، وأن حرية التعبير لا تعني إعفاء الإنسان من المسؤولية عن الضرر المتعمد، وأن الشركات التي تبني نماذج ومنصات قادرة على التأثير في مئات الملايين من البشر لا يمكن أن تتعامل مع آثار منتجاتها وكأنها خارج نطاق مسؤوليتها.
وفي الوقت نفسه، يجب ألا نقع في الخطأ المعاكس، فنحارب التضليل بإغلاق المجال أمام الاختلاف أو إسكات الآراء المخالفة. فالحقيقة العلمية نفسها تتطور، والخلاف العلمي مشروع، والنقد ضروري، والمشكلة ليست في وجود آراء مختلفة، وإنما في تقديم الكذب المتعمد على أنه حقيقة، وتقديم غير المتخصص على أنه خبير، وتقديم المحتوى المفبرك على أنه حدث حقيقي، واستغلال الخوارزميات لتحقيق الربح من تضليل الجمهور. إننا أمام مرحلة جديدة في تاريخ البشرية؛ مرحلة لم تعد فيها القدرة على إنتاج المعلومات حكرًا على الصحف والتلفزيون والمؤسسات الإعلامية. أصبح كل إنسان تقريبًا قادرًا على أن يكون ناشرًا، وأصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على أن يجعل هذا الإنسان منتجًا لنصوص وصور وأصوات ومقاطع يصعب أحيانًا التمييز بين الحقيقي والمصطنع فيها. وإذا لم نطور بالتوازي مؤسسات التحقق والتعليم الرقمي والحوكمة التقنية، فإن الفجوة بين سرعة إنتاج المعلومات وسرعة التحقق منها ستزداد. وهذه الفجوة هي التي قد تقودنا إلى أخطر نتيجة، وهي أن يصبح المجتمع لا يعرف الحقيقة، ولا يثق بمن يقولها، ولا يستطيع التمييز بين العالم الحقيقي والعالم المصطنع. وعندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، فإن الضرر لا يعود متعلقًا بخبر كاذب واحد، وإنما يصبح ضررًا يصيب الثقة الاجتماعية نفسها.
ولهذا فإنني أرى أن القضية ليست قضية محاربة التكنولوجيا، ولا العودة إلى الماضي، ولا رفض الذكاء الاصطناعي. على العكس، علينا أن نستفيد منه إلى أقصى درجة، ولكن علينا أن نطوره بصورة أكثر مسؤولية. فالذكاء الاصطناعي ما زال في بداياته، وإذا أردناه أن يصبح أساسًا لمستقبل المدن والدول والمجتمعات، فعلينا أن نجعله جزءًا من منظومة أكبر تقوم على التحقق والتعلم والتكيف والحوكمة والمساءلة. في هذا السياق يأتي مفهوم الذكاء التنظيمي Systemic Intelligence الذي أطرحه باعتباره انتقالًا من ذكاء يستطيع أن ينتج إجابة إلى نظام يستطيع أن يفهم السياق، ويقيّم المعلومة، ويقدر درجة الثقة، ويراقب النتائج، ويتعلم من الأخطاء، ويتصرف ضمن حدود بشرية ومؤسسية واضحة. فالمستقبل لا يحتاج فقط إلى آلات أكثر ذكاءً، وإنما يحتاج إلى أنظمة أكثر حكمة في استخدام الذكاء. إننا أمام مفارقة تاريخية: التكنولوجيا أعطتنا قدرة غير مسبوقة على الوصول إلى الحقيقة، وفي الوقت نفسه أعطتنا قدرة غير مسبوقة على صناعة الوهم. وبين الحقيقة والوهم يقف الإنسان. ولهذا فإن السؤال الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي ليس: هل نستطيع إنتاج المعلومات؟ فقد أصبحنا نستطيع ذلك بكميات هائلة. وليس السؤال فقط: هل نستطيع إنتاج ذكاء اصطناعي أكثر قوة؟ فنحن نسير في هذا الاتجاه بسرعة. وإنما السؤال الأهم هو: هل نستطيع بناء مجتمع ونظام رقمي يستطيعان التمييز بين الحقيقة والتزييف، وبين العالم والهاوي، وبين الخبر والدعاية، وبين المعرفة والوهم؟ إذا لم نفعل ذلك، فقد نجد أنفسنا أمام مجتمع يعرف كل شيء تقريبًا، ولكنه لا يعرف ماذا يصدق. وهذه في رأيي ليست وفرة معلومات، وإنما أزمة مصداقية. بل قد تكون من أخطر أزمات القرن الحادي والعشرين، لأن المجتمع الذي يفقد الثقة في مصادر المعرفة قد يصبح قابلًا للتلاعب من أي شخص يستطيع أن يصرخ بصوت أعلى، أو يصنع صورة أكثر إثارة، أو ينتج فيديو أكثر إقناعًا، أو يملك خوارزمية تستطيع أن تصل إلى ملايين الناس. ومن هنا فإن مسؤوليتنا ليست إيقاف الثورة الرقمية، وإنما إنقاذ مصداقيتها. فالذكاء الذي لا يحمي الحقيقة قد يتحول إلى أداة للتضليل، والتواصل الذي لا يحمي المجتمع من التزييف قد يتحول إلى وسيلة لتفكيك الثقة، والتكنولوجيا التي لا تخضع للمسؤولية قد تتحول من خدمة للإنسان إلى مصدر للخطر عليه. ولذلك فإن المرحلة القادمة يجألا تكون فقط مرحلة Artificial Intelligence، وإنما مرحلة Responsible Intelligence و Systemic Intelligence؛ أي ذكاء قادر على العمل والتعلم والتكيف، لكنه في الوقت نفسه مرتبط بالحقيقة، والإنسان، والمؤسسة، والأخلاق، والقانون، والمسؤولية. فالغاية النهائية من التكنولوجيا ليست أن تجعلنا قادرين على إنتاج أي شيء، وإنما أن تجعلنا قادرين على معرفة ما يستحق أن ننتجه، وما يستحق أن نصدقه، وما يجب ألا نسمح له بأن يخدع الإنسان والمجتمع. وهنا فقط يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي قوة حقيقية لخدمة البشرية، بدل أن يتحول، مثل كثير من الاختراعات العظيمة، إلى أداة يمكن أن تخدم الإنسان أو تضر به بحسب من يملكها وكيف يستخدمها.