د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
من أبلغ كلمات الطمأنينة في التاريخ تلك الكلمات التي قالتها أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم في لحظة امتلأت بالرهبة: «الله لم يخذلك». ولم تكن كلمات عاطفة مجردة، بل بنت يقينها على شواهد من سيرته وأخلاقه: «إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».
وكأن في هذا الموقف قاعدة إنسانية عميقة: أن المعروف لا يضيع، وأن المواقف الصادقة تصنع لأصحابها رصيدًا يبقى عندما تتغير الظروف، وأن من امتد خيره إلى الناس لا يكون حضوره بينهم عابرًا.
ومن هنا، كلما اشتدت الأحداث حول المملكة العربية السعودية، وتكاثرت الأزمات في الإقليم، وتبدلت التحالفات وارتفعت أصوات الخصومة، حضرت في الذهن تلك المعاني: وطن لم يصنع مكانته في يوم، ولم يبن ثقله بالشعارات وإنما راكم عبر عقود طويلة مواقف يعرفها القريب والبعيد.
السعودية ليست دولة ظهرت أهميتها عند الأزمات؛ بل دولة كشفت الأزمات أهمية وجودها. في قلبها الحرمان الشريفان، وإليها تتجه أفئدة المسلمين، وعلى أرضها تستقبل كل عام ملايين الحجاج والمعتمرين من كل لون ولسان وجنسية. وهذا وحده شرف عظيم ومسؤولية هائلة، سخرت لها الدولة إمكاناتها وأجهزتها ومشروعاتها وأبناءها، حتى أصبح مشهد خدمة الحاج والمعتمر واحدًا من أعظم المشاهد التي يراها العالم كل عام.
وحين تقع الكوارث في مكان من العالم، كثيرًا ما تكون يد المملكة حاضرة. وحين تضيق بالإنسان السبل في بلد منكوب، تصل المساعدات السعودية من غير سؤال عن لونه أو لغته. وحين تمر دول عربية وإسلامية بأزمات اقتصادية أو إنسانية، يعرف التاريخ الحديث حجم ما قدمته المملكة من دعم وإغاثة ومساندة. هذه المواقف ليست هامشًا في تاريخ الدولة، بل جزء من شخصيتها.
ولأن السياسة لا تقوم على العواطف وحدها، فقد تعلمت المملكة من تاريخ طويل أن السلام يحتاج إلى قوة تحميه وأن الاعتدال لا يعني الضعف، وأن الصبر لا يعني العجز، وأن حسن الجوار لا يعني التفريط في السيادة. ولذلك كانت تمد يدها للسلام، لكنها في الوقت نفسه تبني قوتها، وتحمي حدودها، وتصون قرارها، وتعرف متى تصبر ومتى تتخذ موقفها.
وهنا يكمن أحد أسرار السعودية التي ربما لا يفهمها من يقرأها من بعيد.فهي ليست مجرد مساحة جغرافية واسعة أو ثروة اقتصادية أو مخزون من الطاقة؛ إنها دولة قامت على عمق ديني وتاريخي واجتماعي، وتشكلت بينها وبين شعبها علاقة تجاوزت في محطات كثيرة لغة المؤسسات إلى معنى الوطن نفسه. ولهذا أخطأ من ظن أن الضغط عليها يمكن أن يفصل مجتمعها عن دولته، أو أن الحملات الإعلامية قادرة على زعزعة ذلك البناء بسهولة.
لقد مرت على المملكة أزمات أشد مما يتذكره الجيل الحالي.
مرت بها موجات التطرف والإرهاب، ودفعت دماء أبنائها في مواجهته. ومرت بها اضطرابات المنطقة، وحروب الخليج، وما سمي بالربيع العربي، وتصاعدت حولها مشاريع إقليمية متعددة، وتعرضت منشآتها ومدنها لاعتداءات، وواجهت حملات سياسية وإعلامية قاسية؛ ثم مضت.
ليس لأنها لا تتألم، ولا لأنها لا تواجه الأخطاء والتحديات، ولكن لأنها تمتلك قدرة لافتة على امتصاص الصدمات، وإعادة ترتيب الخيارات، وتحويل كثير من الأزمات إلى دوافع للمراجعة والبناء.
واليوم، وهي تمضي في مشروع تحول اقتصادي واجتماعي واسع، لم تعد المملكة تنظر إلى المستقبل بعقلية الدولة التي تنتظر ما يفعله الآخرون، بل بعقلية الدولة التي تريد أن تكون جزءًا من صناعة المستقبل. تغيرت المدن، وتوسعت قطاعات الاقتصاد، وتعاظمت فرص الاستثمار، وحضرت السعودية في ملفات السياسة والاقتصاد والطاقة والتقنية والسياحة والرياضة والثقافة حضورًا يصعب تجاهله.
لكن أجمل ما في الأوطان ألا تنسيها القوة قيمها.
أن تتقدم، دون أن تنسى جذورها. وأن تنافس، دون أن تتخلى عن هويتها. وأن تبني مصالحها، دون أن تفقد ذاكرتها تجاه من وقف معها أو احتاج إليها. ولذلك فإن الوفاء ليس قيمة اجتماعية فحسب، بل رأس مال سياسي وأخلاقي كذلك. الدول تتذكر، والشعوب تتذكر، والتاريخ أكثر ذاكرة مما يظن كثيرون.
والمملكة التي وقفت مع غيرها في أيام الضيق، وأعانت عند الكوارث، وحملت مسؤولية كبرى تجاه قضايا أمتها، لا تحتاج في كل مرة إلى تعداد أفضالها؛ فالمواقف الكبيرة لا تحتاج إلى ضجيج كي تبقى.
نحن لا نقول إن الدول تُعصم من المحن لأنها صنعت معروفًا، ولا نستعير النصوص الشرعية في غير مواضعها، ولكننا نستحضر المعنى الإنساني العظيم الذي حملته كلمة خديجة رضي الله عنها: أن للخير شواهده، وأن السيرة السابقة تبعث على حسن الظن بالمستقبل، وأن من كانت أيامه شاهدة بالبذل والوفاء، فإن رصيده يظهر في ساعة الشدة.ولهذا، عندما تتلبد سماء المنطقة، وتضطرب الحسابات، وتتنازع القوى على النفوذ، ينبغي ألا نقرأ السعودية من خلال حادثة عابرة أو أزمة طارئة.
اقرؤوا تاريخها.
اقرؤوا كيف قامت، وكيف عبرت أزماتها، وكيف واجهت الإرهاب، وكيف حمت وحدتها، وكيف بقيت مكة والمدينة في قلب مشروعها، وكيف مدت يدها للبعيد قبل القريب، وكيف تحولت في سنوات قليلة إلى ورشة كبرى تعيد بناء كثير من تفاصيل مستقبلها.
عندها يصبح الاطمئنان مبنيًا على شواهد، لا على أمنيات.
السعودية ليست وطنًا بلا أعداء، ولا دولة خارج دائرة الاستهداف؛ بل إن ثقلها يجعلها في قلب كثير من الصراعات. لكن الفارق بين وطن يخشى العواصف ووطن يعرف نفسه، هو مقدار ما يملكه من ثوابت وقوة وتماسك ورصيد.
والمملكة تملك من ذلك الكثير.
ولهذا، كلما اشتدت العواصف من حولها، يبقى في القلب يقين بالله أولًا، ثم ثقة بوطن عرفناه في الملمات ثابتًا، وفي الشدائد متماسكًا، وفي مواطن الخير حاضرًا.
فنقولها حبًا ودعاءً واستبشارًا، لا تزكية ولا جزمًا على الله: حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها أمنها وعزها ووحدتها، وجزاها عن الحرمين وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
وتبقى تلك العبارة العظيمة باعثة على الطمأنينة كلما استحضرنا تاريخ المعروف والمواقف:
«الله لم يخذلك».