مهدي العبار العنزي
على مدار تاريخها السياسي الممتد، انتهجت المملكة العربية السعودية سياسة راسخة تقوم على حسن الجوار، ومدّ يد العون، وتغليب المصالح العليا للأمة الإسلامية والعربية على أي اعتبار آخر. فلم تكن مواقف المملكة يوماً مبنية على ردود الفعل الآنية أو المصالح الضيقة، بل انطلقت من شعور عميق بالمسؤولية التاريخية والدينية والإنسانية تجاه الأشقاء والأصدقاء، لا سيما في أوقات الأزمات والمنعطفات الخطيرة.
سياسة الأيادي البيضاء والصفح الإستراتيجي
حين تقف المملكة مع أشقائها، فإنها لا تنتظر مقابلاً ولا توثق ذلك بمنٍّ أو أذى. فقد شهدت العقود الماضية مواقف تاريخية خالدة سخرت فيها الرياض مقدراتها السياسية والاقتصادية والدبلوماسية لدعم الدول الشقيقة والصديقة في محنها.
ولأن رؤية القيادة السعودية تتسم بالعمق الاستراتيجي والنظرة بعيدة المدى، فقد تعاملت المملكة في كثير من الأحيان مع الإساءات والتجاوزات بحكمة بالغة؛ فتجاوزت عن سياسات متهورة، وأغضت الطرف عن استفزازات خطيرة، وتغاضت عن تهديدات ميدانية مباشرة - كالمسيرات والصواريخ العبثية التي استهدفت البنى التحتية والمقدرات المدنية – مغلّبة مصلحة الشعوب واستقرار المنطقة على معاقبة الأنظمة أو الأطراف المتجاوزة. هذا الصبر الاستراتيجي لم يكن ضعفاً، بل كان تجسيداً لقوة الكبار وقدرتهم على احتواء الأزمات.
عندما تختلط الذاكرة بالجحود
لكن التاريخ الإنساني والسياسي يضعنا مراراً أمام اختبارات قاسية تظهر فيها معادن الرجال والدول. فمن المؤسف حقاً أن يُقابل هذا الصبر الجميل، والدعم المادي والمعنوي المستمر، بتطاول غير مبرر، وجحود يتنافى مع أبسط قواعد الوفاء والأخوة.
إن التطاول على المملكة العربية السعودية – قيادةً وشعباً ومواقف – عبر الأبواق الإعلامية أو الخطابات الشعبوية لا يمسّ سيادة المملكة أو مكانتها بشيء، فهي أصلب عوداً وأعظم مكانة من أن تنال منها الكلمات العابرة. بيد أن الألم يكمن في حجم «النكران» وتوقيته؛ إذ يأتي ممن تقاسموا معها رغيف العيش وظللهم دفء مواقفها في ساعات العسرة. إن محاولة التنصل من الحقائق التاريخية أو ليّ ذراع الحقائق لإرضاء نزعات عابرة أو أجندات إقليمية مشبوهة، يعكس قصوراً استراتيجياً وفقداناً للبوصلة الأخلاقية لدى أولئك المتطاولين.
ثوابت لا تتبدل وسيادة لا تُمس
لقد أثبتت التجربة أن المملكة العربية السعودية بجيشها وشعبها وقيادتها الحكيمة، تمتلك من المناعة السياسية والاقتصادية والعسكرية ما يجعلها الحصن الأمني المتين في المنطقة. وإن تجاوز الرياض عن الهفوات السابقة انطلق من قوة وثقة، وليس من عجز.
ومن هنا، فإن العقل والمنطق يقتضيان من الجميع إدراك أن صبر المملكة ورفعتها لا ينبغي أن يُفسرا على غير معناهما. فالأخوة الصادقة لا تعني القبول بالمساس بالكرامة الوطنية، والصفح لا يعني النسيان الدائم لتجاوزات تمس الأمن القومي وسلامة الأراضي.
خاتمة
يبقى الأمل قائماً في أن تعود لغة الحكمة والوعي لدى الأطراف التي غرتها أوهام الشعارات الرنانة، لتدرك أن استقرار المنطقة وسلامة شعوبها يبدآن من احترام الثوابت وتقدير يد العون التي ما امتدت يوماً إلا بالخير والصلح والسلام. أما المملكة، فستبقى – كما كانت دائماً – شامةً على جبين التاريخ، عزيزة بأبنائها، وفية لمبادئها، لا يزحزحها عن ثوابتها نبحٌ عابر ولا تنال من هامتها ريح الجحود.