نجلاء العتيبي
دخلت إلى حياتنا في السنوات الأخيرة عادةٌ لم تكن مألوفةً بهذا الاتساع: عرض الممتلكات على نحو يتجاوز المشاركة إلى المباهاة؛ فلم يعُد المرء يكتفي بأن يعيش نعمته، فقد صار بعضهم يُعيد ترتيبها أمام الكاميرا، ويختار لها التوقيت والإضاءة، ويحيطها بما يُضاعف وقعها؛ كأن الغاية انتقلت من الانتفاع بالشيء إلى إثارة الانتباه نحوه.
ومع توالي هذه الصور تشبَّعت العيون حتى فقدت الأشياءُ قدرتَها على الإدهاش؛ فالمشهد الذي كان يلفت النظر بنُدرته أصبح مألوفًا من فرط تكراره، وكلُّ مبالغة تستدعي أخرى تتفوَّق عليها، إلى أن ارتفع سقف الإبهار، وانخفض الإحساس الحقيقي بالجمال؛ فالذائقة حين تتعرَّض للزائد باستمرار تتعب، وتغدو أقل التفاتًا إلى ما يستحقُّ التأمُّل فعلًا.
والمزعج في الأمر أن الممتلكات لم تعُد تظهر بوصفها جزءًا من الحياة، وإنما تحوَّلت لدى البعض إلى تعريف كامل بصاحبها؛ فيُقدَّم المنزل قبل ساكنه، وتسبق المائدةُ المناسبة، ويطغى حجم الهدية على المودَّة التي تحملها، وحين تتقدَّم الأشياء على الإنسان، يضيق حضوره مهما اتَّسعت مقتنياته؛ لأن المكانة التي تحتاج دائمًا إلى شواهد مادية تظلُّ قلقة، تبحث عن تصديق جديد بعد كل إعجاب مؤقَّت.
ويمتدُّ أثر المباهاة إلى مَن يشاهدها؛ فهي تُعيد تشكيل مفهوم الكفاية لديه من حيث لا يشعر؛ فقد يكون راضيًا عن يومه، ثم يرى ما يجعله ينظر إليه بعين النقص، وقد يستقبل مناسبة جميلة، فيُفسد صفوَها انشغالُهُ بمقارنتها بما عُرض أمامه، وهكذا تتسلل مشاعر العجز إلى حياة مستقرة، فقط لأن الصورة المصنوعة أقنعته بأن المعتدل قليل، وأن البساطة أدنى منزلة.
وليست المشكلة في الثراء، فوفرة الرزق أمرٌ محمودٌ، والاستمتاع به حقٌّ لصاحبه، ولكن موضع الخلل هو تحويل النعمة إلى أداة للمفاضلة، وإجبار كل لحظة على حمل رسالة خفية تقول: انظروا كم نملكُ، عندها يفقدُ الكرمُ نقاءَه، وتُصبح المناسبة مرهونةً بما سيُقال عنها، ويغدو الآخرون شهودًا مطلوبًا منهم الانبهار، عوضًا عن كونهم شركاءَ في الفرح.
ما أجمل الوسط في كل شيءٍ؛ ففيه تتجاور القدرة وحسن التقدير، ويأخذ الجميل مساحته من غير أن يستولي على المكان كله؛ فالاعتدال لا ينتقص من النعمة، وإنما يمنحها مقامًا يليقُ بها؛ تظهر بعفويةٍ، وتُستخدَم بامتنانٍ، وتبقى في حجمها الطبيعي، ومن يعرف حدَّ الكفاية لا تُحرّكه رغبة مستمرة في إثبات ما لديه؛ لأنه يُدرك أن الزيادة في الإظهار قد تنقص من هيبة ما يُظهره.
وللبساطة جلالٌ لا تصنعه المبالغة، قد تكون المائدة محدودة، غير أن الأُلفة توسعها؛ وقد يكون المنزل متواضع المساحة، بينما الرحابة تسكُنُ أهله؛ وقد تمرُّ المناسبة من دون بهرجة، ثم تبقى في الذاكرة لصدقها، والأشياء الرفيعة لا تحتاج إلى ازدحام حولها، فهي تترك أثرها بحسن موضعها، تمامًا كما تفسد الزينة حين تغطي الأصل الذي جاءت لتُجمّله.
نحتاج اليوم إلى تربية العين على الاكتفاء، وإعادة الاحترام لما هو موزون؛ فليس كل ما يُملك جديرًا بالعرض، ولا كل ما يُعرَض يرفعُ قدر صاحبه؛ فالإنسان يُعرف بطريقته في حمل النعمة أكثر مما يُعرف بحجمها؛ يعرف متى يُظهرها، ومتى يحفظها، وكيف يستمتع بها من غير أن يجعلها مقياسًا للناس أو وسيلةً لاستدرار دهشتهم.
تشبَّعت العيون من المباهاة المفرطة حتى فقدت الأشياءُ قدرتَها على الإدهاش، فما أجمل الاعتدال حين يحفظ للنعمة قدرها، وللذوق اتزانه، وبين إخفاء الجميل والمبالغة في تقديمه منزلةٌ ناضجةٌ: أن نعيش ما لدينا بامتنانٍ، ونتركه يتحدَّث عن حسن اختيارنا، لا عن حاجتنا إلى أن يرانا الآخرون.
ضوء
«يبلغ الترف ذروة أناقته عندما يُرافقه اتزانٌ رفيعٌ؛ فالمقتنيات الراقية تزداد حضورًا كلما قُدّمت بمقدار يصونُ سحرها وهيبتها معًا».