د. محمد بن أحمد غروي
صنف (PISA) التقييم الدولي للطلاب مؤخراً الذي أجرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، حيث احتل السنغافوريون المرتبة الأولى في القراءة، والمرتبة الثانية في الرياضيات والعلوم وحل المشكلات الحسابية. حيث أن النتائج تُبرز قدرات الطلاب في تطبيق المعرفة لحل المشكلات المعقدة، وانخراطهم الفعال في عملية التعلم، مما يُهيئهم للتعلم مدى الحياة ويبقى التساؤل الهام عن أسباب تصدر سنغافورة في مؤشرات التعليم.
لطالما اهتمت سنغافورة بالتعليم منذ استقلالها، وجعلته مشروعها الأبرز والأهم الذي بنت على أساسه نهضتها الاقتصادية. وكانت الرؤية منذ تأسيس سنغافورة على يد رئيس وزرائها الأول، لي كوان يو، هي تطوير العنصر البشري وأن يصبح التعليم أولوية قصوى للبلاد حيث أعلنها رئيس الوزراء الأول صراحة بأن المورد الطبيعي الوحيد المتاح لتطوير سنغافورة هو «شعبها». ومنذ الستينيات تبنت سنغافورة منهجًا ونظامًا يجعل من التعليم منقذًا للبلاد ويهدف إلى تخريج العمالة الماهرة لبرنامج التصنيع الخاص بسنغافورة وخفض مستويات البطالة.
وعلى مدار العقود تطور النظام التعليمي بسنغافورة ليواكب نهضتها التقنية والاقتصادية، وساهمت عدة عوامل في تحسين النظام التعليمي السنغافوري وجعله من بين الأفضل في العالم. وأحد الأعمدة الرئيسية التي ساهمت في تصدر التعليم السنغافوري كان اختيار المعلمين فائق الدقة.
إذ يتبع «المعهد الوطني للتعليم» (NIE) -الجهة المسؤولة عن إعداد المعلمين ومديري المدارس والمشرفين التربويين- آلية صارمة لاختيار المعلمين وتدريبهم، حيث لا يُقبل في مهنة التدريس سوى مرشح واحد من بين كل اثني عشر متقدماً. ولا تتوقف عملية انتقاء المعلمين عند الاختيار الأول بس تمتد لشهور من التدريب ثم المتابعة والتقييم المستمر، ويلتحقون ببرنامج للحصول على دبلوم الدراسات العليا في التربية مع تقديم أجور مرتفعة نسبيًا للمعلمين، مما يخلق حلقة إيجابية متصلة، حيث تؤدي جودة الدعم والقيادة إلى استقطاب المعلمين والحفاظ عليهم، وهكذا دواليك. كما يجري تنظيم دورات تدريبية لتعليم المعلمين باستمرار أساليب تدريس جديدة، مما يعزز جودة التعليم.
كما يركز النظام التعليمي السنغافوري في الفصول الدراسية على تعليم الطلاب مهارات محددة لحل المشكلات وتدريس مواد دراسية بعينها. وتتسم العملية التعليمية داخل الفصول بكونها منظمة ومخططة بدقة عالية، حيث ينصب تركيز المنهج على إكساب الطلاب مهارات عملية تساعدهم في حل مشكلات العالم الواقعي. ويهتم هذا النظام بشكل أساسي على تنمية القدرات الفردية للطلاب وتعزيز مهارات التفكير الإبداعي لديهم. ويولي نموذج التعليم في سنغافورة اهتماماً بالغاً بالمنهج الدراسي المنظم والتقييمات الدورية، مع دمج التكنولوجيا والبحث العلمي في العملية التعليمية.
من العوامل الحاسمة التي تُسهم في نجاح سنغافورة نظامها التعليمي الشامل، الذي يضمن اتباع نهج فردي لكل طالب، مع مراعاة احتياجاته التعليمية المتنوعة وتوفير دعم أفضل له. تُصمم برامج خاصة للطلاب ذوي المهارات والاهتمامات المختلفة، مما يساعدهم على التميز في مجالاتهم خلال العملية التعليمية.
ومن ناحية أخرى، يُعنى النظام التعليمي في سنغافورة بتنمية مهارات الطلاب في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، مما يضمن تنشئة متخصصين ذوي مهارات تكنولوجية متقدمة في المستقبل. فيما تعزز أساليب التدريس التفاعلية والقائمة على التكنولوجيا تنمية التفكير النقدي وحل المشكلات والإبداع لدى الطلاب. وتُطبّق معايير أكاديمية عالية في نظام التعليم في سنغافورة، ويخضع الطلاب لاختبارات دقيقة في كل مرحلة تعليمية.
وتؤثر هذه الاختبارات على تخصصاتهم المستقبلية وبناء مسيرة مهنية ناجحة.
من الملاحظ أن سنغافورة توقفت عن الإعلان عن أسماء الطلاب الحاصلين على أعلى الدرجات في الامتحانات الوطنية، وذلك بهدف تخفيف بعض الضغوط التي قد يشعر بها الطلاب. كما تبنت البلاد استراتيجية تحمل شعار «درّس أقل، وتعلّم أكثر» (Teach Less, Learn More)، والتي تشجع المعلمين على التركيز على جودة التعليم بدلاً من التركيز على الكمية.
هناك تحديد واضح لمخرجات التعليم ؛ إذ تُسهم هذه الأسس في تبسيط عملية إعداد المناهج الوطنية واعتماد أساليب تربوية متنوعة، مع ضمان مستويات عالية من التأهيل والتطوير المهني للمعلمين. وعلاوة على ذلك، تعزز هذه الأهدافُ الربطَ بين مرحلتي صياغة السياسات وتنفيذها بما يتماشى مع الرؤية الوطنية للتعليم.
كما خصصت الحكومة السنغافورية مبالغ ضخمة لدعم العملية التعليمية. وبحسب تقارير اقتصادية حديثة ففي السنة المالية 2026، خصصت حكومة سنغافورة 16.45 مليار دولار للتعليم، أي ما يعادل 2 % من الناتج المحلي الإجمالي، بزيادة قدرها 8.8 % عن ميزانية السنة المالية 2025. ويبلغ متوسط الإنفاق السنوي على التعليم 16 ألف دولار لطلاب المرحلة الابتدائية، وما يزيد عن 20 ألف دولار لطلاب المرحلة الثانوية، وما يقرب من 22 ألف دولار لطلاب المرحلة الجامعية.