د. عبدالمحسن الرحيمي
لفتتني ملاحظة لأحد العلماء السعوديين في الدراسات الدينية، مفادها بأن الأدب الروسي، ولا سيما في ذروته خلال القرن التاسع عشر، يلامس عددًا من المفاهيم التي تحضر بقوة في القرآن حين يتحدث عن الإنسان، من النفس والذنب والرحمة والحرية والعدل والمعاناة إلى الموت والمصير. وقد تبدو هذه الملاحظة في ظاهرها أدبية أو لغوية، لكنها في جوهرها تفتح مجالًا أوسع لفهم العلاقة بين الأدب والأسئلة الإنسانية الكبرى؛ فالتقارب بينهما لا يلزم أن يكون نتيجة اقتباس أو انتقال مباشر للأفكار، وإنما يمكن أن يكون تعبيرًا عن اشتراك الإنسان، أينما كان، في أصل من الفطرة والمشاعر والأسئلة الوجودية.
الإنسان، قبل أن يكون روسيًا أو عربيًا أو صينيًا، هو إنسان، وقبل أن تشكله اللغة والثقافة والتاريخ، هناك أصل أسبق هو الفطرة الإنسانية. يقول الله تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)، ويقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة...». وفي التصور الإسلامي تشير الفطرة إلى أصل إنساني سابق على اختلاف البيئات والثقافات، ولذلك لا تبدو القضايا الكبرى التي تسكن التجربة البشرية حكرًا على حضارة دون أخرى؛ فالموت لا يحمل جنسية، والخوف منه لا يحتاج إلى ترجمة، والشعور بالظلم لا ينتمي إلى شعب بعينه، والحاجة إلى الرحمة، والبحث عن معنى الحياة، والتطلع إلى النجاة والمصير، كلها خبرات تتجاوز الحدود التي تصنعها الجغرافيا واللغة والتاريخ.
من هنا يمكن فهم جانب من التقاطع بين الأدب الروسي والمعجم القرآني للإنسان؛ فحين يصل الإنسان إلى أعماقه، بعيدًا عن مظاهر الاختلاف الخارجية، تظهر طبقة أكثر ثباتًا من تجربته، تتصل بالخوف والرغبة والضمير والذنب والرحمة والحب والموت والمصير. وهذه ليست بالضرورة أفكارًا تنتقل من ثقافة إلى أخرى، وإنما مشاعر وأسئلة تنبع من طبيعة الإنسان نفسه، ثم تتخذ أشكالًا مختلفة بحسب الدين والثقافة واللغة والتاريخ.
وهنا تظهر خصوصية القرآن؛ فالقرآن، في التصور الإسلامي، ليس نتاجًا فلسفيًا بشريًا يحاول تفسير الإنسان من خارج وجوده، وإنما هو وحي من خالق الإنسان، ولذلك لا يكتفي بوصف مخاوفه ورغباته وصراعاته، بل يضع هذه التجربة داخل منظومة متكاملة من الخلق والغاية والمسؤولية والرحمة والمصير. ولهذا تحمل الآيات الأولى من سورة الفاتحة كثافة استثنائية في هذا السياق: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)؛ فالإنسان يقف أمام رب العالمين، وفي رحاب الرحمن الرحيم، وأمام حقيقة يوم الدين، حيث يصبح المصير والحساب جزءًا من البناء الكلي للوجود الإنساني، لا مجرد موضوع عابر في التأمل الأدبي.
وعندما يصل الأدب الروسي العظيم إلى الإنسان، فإنه يدخل إلى هذه المنطقة من طريق مختلف. فقد كان الأدب الروسي، خصوصًا عند دوستويفسكي، أدبًا للداخل الإنساني بقدر ما كان أدبًا للمجتمع، إذ لم يكتفِ بوصف السلوك، وإنما جعل النفس ومبرراتها وصراعاتها وندمها ومسؤوليتها مادة أساسية للسرد. وفي «الجريمة والعقاب» تكون الجريمة حدثًا خارجيًا، بينما تقع الرواية الأعمق في الداخل؛ إذ يحاول راسكولنيكوف أن يبني تصورًا يتيح له تجاوز الحدود الأخلاقية، ثم يكتشف أن الإنسان يستطيع أن يصوغ لنفسه تبريرات عقلية، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يلغي ما يحدث في أعماقه. وهنا يقترب الأدب من منطقة عميقة في التصور القرآني للإنسان، حيث لا تختزل المسؤولية في الفعل الظاهر، وإنما تمتد إلى النفس والإرادة والنية والضمير والقدرة على التوبة والعودة.
وفي «الإخوة كارامازوف» تتسع الدائرة لتشمل الإيمان والشك، والحرية والمسؤولية، والخير والشر، والذنب والمغفرة، والحاجة إلى المعنى. فالحرية في التجربة الإنسانية لا تظهر بوصفها امتيازًا مجردًا، وإنما ترتبط بما يترتب عليها من مسؤولية، وقد تتحول إلى عبء حين تنفصل عن الضمير وعن إدراك العواقب. وفي هذا المستوى يبدو الأدب الروسي قريبًا من البناء الأخلاقي الذي يجعل الحرية الإنسانية مرتبطة بالمسؤولية، ويجعل الفعل جزءًا من علاقة أوسع بين الإنسان ونفسه والآخرين ومصيره.
أما تولستوي فيفتح بابًا آخر أكثر التصاقًا بالموت ومعنى الحياة. ففي «موت إيفان إيليتش» يصبح الموت لحظة انكشاف تتهاوى أمامها بعض الأوهام التي عاش الإنسان داخلها، وتظهر قيمة المال والمكانة الاجتماعية والحياة التي اختارها الإنسان في ضوء النهاية المحتومة. وهنا لا يعود الموت مجرد نهاية بيولوجية، وإنما يتحول إلى لحظة مراجعة للوجود كله، وهو معنى إنساني يتجاوز الثقافة والجنسية. غير أن القرآن يذهب بهذا السؤال إلى أفق آخر لا يستطيع الأدب وحده أن يحسمه، لأن الموت في التصور القرآني ليس نهاية الوجود، وإنما مرحلة في مسار أوسع يضم البعث والحساب والمصير.
ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين الأدب والوحي. الأدب يكتشف الإنسان عبر التجربة، أما القرآن فيخاطب الإنسان من جهة خالقه. الأدب يستطيع أن يدخل بنا إلى خوف الإنسان وذنبه وندمه وحيرته، وأن يجعلنا نعيش صراعه من الداخل، بينما يضع القرآن هذه التجربة الإنسانية داخل تصور متكامل عن الخلق والغاية والهداية والتوبة والرحمة والمصير. ولذلك لا ينبغي أن تُفهم أوجه التقاطع بينهما على أنها تطابق في المرجعية أو الإجابة؛ فالرواية عمل إنساني، والقرآن في التصور الإسلامي وحي إلهي، وبين المجالين فارق جوهري لا تلغيه أوجه التشابه في تناول الإنسان.
من هذا المنظور يمكن فهم التقارب بين الأدب الروسي والمعجم القرآني للإنسان بعيدًا عن فرضية الاقتباس المباشر. فليس من الضروري أن يكون الأديب قد أخذ من القرآن حتى يكتب عن الذنب والرحمة والموت والحرية والمسؤولية والمصير، لأن هذه الموضوعات جزء من التجربة الإنسانية نفسها. فالإنسان الروسي لا يحتاج إلى أن يتعلم من العربي أن الموت موجود، والعربي لا يحتاج إلى أن يتعلم من الروسي أن الظلم مؤلم؛ فهذه معارف تتولد من الوجود الإنساني قبل أن تتحول إلى أفكار تصوغها الثقافات واللغات.
غير أن الفطرة لا تعني أن الإنسان يعرف كل شيء بالفطرة. فالإنسان يعرف الموت، لكنه لا يستطيع بعقله وحده أن يحوله إلى بعث، ويشعر بحاجته إلى الرحمة، لكنه لا يستطيع وحده أن يحيط بحقيقة الرحمة الإلهية، ويدرك الظلم ويتطلع إلى العدل، لكنه لا يستطيع أن يضمن بعقله أن كل مظلوم سينال حقه في الحياة الدنيا. وهنا يأتي الوحي ليمنح هذه الفطرة هدايتها، وينقل الإنسان من الإحساس إلى المعرفة، ومن القلق إلى الطمأنينة، ومن إدراك محدودية الحياة إلى الإيمان بالمصير.
ولهذا يمكن أن يكون الأدب العظيم أحد أكثر المجالات قدرة على إظهار عمق الفطرة الإنسانية، لأنه يأخذ الإنسان في لحظات ضعفه وانكشافه، ويضعه أمام خوفه وذنبه وحبه ومعاناته ومصيره. أما القرآن فيخاطب هذا الإنسان نفسه، لا باعتباره شخصية روائية أو موضوعًا فلسفيًا، وإنما باعتباره مخلوقًا يعرف خالقه ويعود إليه. ومن هنا يمكن أن تتجاور التجربة الأدبية والتجربة الدينية دون أن تختلط وظيفتاهما أو تتساوى مرجعيتاهما.
ولذلك فإن الأدق في قراءة العلاقة بين الأدب الروسي والقرآن ليس القول إن الأدب الروسي «يشبه» القرآن، وإنما النظر إلى الكيفية التي يلتقي بها نص أدبي عظيم مع أسئلة إنسانية تحتل في القرآن مكانة مركزية. فدوستويفسكي يدخل إلى النفس والذنب والحرية والرحمة والخلاص، وتولستوي يدخل إلى الموت والضمير ومعنى الحياة، بينما يضع القرآن النفس والرحمة والعدل والتوبة والموت والمصير داخل رؤية كلية للإنسان وعلاقته بخالقه.
وفي هذه المنطقة تحديدًا يصبح الإنسان هو الجسر الحقيقي بين النصين، لا اللغة ولا الجغرافيا ولا التاريخ. فالأدب الروسي عندما يبلغ ذروته لا يعود روسيًا بالمعنى الضيق، وإنما يصبح أدبًا عن الإنسان، والقرآن عندما يخاطب الإنسان لا يخاطب قومية أو عرقًا بعينه، وإنما يخاطب الناس، ويضع الإنسان أمام حقيقة أصله ومسؤوليته ومصيره. ولهذا يستطيع قارئ مسلم أن يجد في دوستويفسكي أسئلة مألوفة دون أن تكون الرواية نسخة من القرآن، ودون أن يحتاج القرآن إلى الأدب لإثبات شيء؛ لأن التقاطع هنا يقع في مساحة الإنسان، بينما تختلف المرجعية والوظيفة والمصدر.
إن أعظم الأدب، عندما يعود إلى أعماق الإنسان، يكتشف أسئلة لا تموت؛ أسئلة الخوف والذنب والرحمة والحرية والموت والمعنى والمصير. أما القرآن، في التصور الإسلامي، فيخاطب في هذا الإنسان شيئًا أسبق من التاريخ والثقافة واللغة، ويضع هذه الأسئلة داخل هداية مصدرها خالق الإنسان ومالك مصيره. إنه يلتقي مع الأدب في الإنسان، ويختلف عنه في المصدر والغاية؛ فالأدب نافذة بشرية إلى أعماق الإنسان، بينما القرآن خطاب إلهي إلى هذا الإنسان وفطرته ومصيره.