عبدالرحمن العطوي
إن تجربة الحروب بالوكالة التي أدارتها إيران في المنطقة العربية عبر أذرعها ومليشياتها تشكل إحدى أقسى صفحات التاريخ المعاصر وأكثرها دموية على مقدرات الدول والشعوب، حيث لم تكن تلك الأذرع سوى أدوات تنفيذية لأجندات توسعية بعيدة كل البعد عن مصالح الأوطان التي وُلدت على أرضها وتغذت من خيراتها. لقد قامت العقيدة الاستراتيجية الإيرانية على مبدأ الدفاع المتقدم ونقل ساحات الصراع إلى الخارج، متخذة من العواصم العربية مسرحاً لتصفية الحسابات وتحقيق المكاسب السياسية على حساب دماء المواطنين وأمنهم واستقرارهم. ولم تكن الشعارات الطائفية والعقائدية التي رُفعت سوى غطاء خادع لشرعنة الهيمنة وتقويض ركائز الدولة الوطنية ومؤسساتها الدستورية، ليجد الملايين أنفسهم في أتون أزمات وجودية وتنموية غير مسبوقة.
إن الشرارات المشتعلة والاضطرابات المترامية التي تعم جوانب من أمتنا العربية اليوم تنبع بالأساس من تلك التبعية العمياء للوكلاء الذين جلبوا الخراب والدمار إلى ديارهم ورهنوا مقدرات شعوبهم لصالح أجندة خارجية لا ترى في هذه البلدان سوى أوراق ضغط وساحات مفتوحة لتبادل الرسائل الدامية؛ ففي لبنان أُفرغت الدولة من محتواها السيادي وتحولت مؤسساتها إلى رهينة بيد قوة مسلحة خارجة عن القانون مما أدى بالبلاد إلى حافة الانهيار الشامل وعزلها عن محيطها العربي والدولي، وفي اليمن حولت المليشيا الحوثية مقدرات الوطن إلى أدوات تهديد للأمن الإقليمي والدولي زجت باليمنيين في مسار مغلق من الفقر والدمار والحروب العبثية، وفي العراق تواصل النهج التخريبي ذاته عبر تغذية الانقسامات وتشكيل كيانات موازية تنازع الدولة سلطانها وتبتلع ثرواتها لصالح مشروع طائفي عابر للحدود. وفي خضم هذا التلاطم السياسي والاضطراب غير المسبوق تجلت حكمة وثقل المملكة العربية السعودية بصفتها رمانة الميزان وصمام الأمان للمنطقة برمتها، حيث وقفت بحنكة قيادتها وبُعد نظرها سداً منيعاً أمام تمدد الفوضى وأوهام الهيمنة الخارجية لقد أدارت المملكة أعتى الأزمات السياسية والعسكرية بقدرة استثنائية على الجمع بين الحزم في مواجهة التهديدات والمبادرة في فرض حلول السلام والترميم التنموي واضعة مصلحة الشعوب واستعادة مفهوم «الدولة الوطنية» في مقدمة الأولويات.
إن الدرس الأبرز المستفاد من هذه المسيرة المظلمة هو أن الأوطان لا يمكن أن تُبنى على الولاءات الخارجية وأن الخضوع للوكلاء لا يورث سوى الخراب والتبعية وأن الحضور القيادي الحكيم للمملكة العربية السعودية كان ولا يزال الحصن الاستراتيجي الذي يعيد للمنطقة توازنها ويضمن مستقبل أجيالها بعيداً عن أوهام الوصاية الإقليمية.